يدخل الاستحقاق الرئاسي، في اليوم الأول للمهلة الدستورية، من باب العواصف السياسية التي افتتحها رئيس مجلس النواب نبيه بري في هجومه على التيار الوطني الحر. وخلافاً لما كان متداولاً، فإن تغييب جلسات انتخاب رئيس جديد للجمهورية، هو الورقة التي لعبها بري في تحويله النقاش في اتجاه عقد جلسات مجلس النواب التشريعية، في مقابل تحديده خريطة طريقه الرئاسية ومعها المحاور المتعلقة بتشكيل الحكومة. وما بدأه بري سيتتبعه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في خطاب يلقيه بعد غد.

لا يلتقي الرجلان على موقف واحد من الحكومة والرئاسيات والاجتهادات الدستورية عن سابق تصور وتصميم. لكن هدف بري، في يوم تغييب الإمام موسى الصدر، هو نفسه هدف جعجع في يوم شهداء القوات اللبنانية: فرملة أي اندفاعة غير محسوبة ورهانات رئاسية وحكومية في غير محلها، رغم صعوبة إقناع التيار الوطني الحر بأن لا تنسيق بين بري والقوات، وكلاهما معروف موقفه من العهد والتيار.

(حسن أبراهيم)

رغم أن بري يمكن أن يسجل نقطة متقدّمة على القوات بأنه لم يبارك التسوية الرئاسية التي شارك فيها جعجع، قبل أن يسحب نفسه منها تدريجاً، إلى أن وقعت الواقعة الكبرى بينه وبين العهد. فبري والقوات لا يريدان حكومة جديدة، وكلاهما مرتاحان إلى أداء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ويؤيدان بقاء حكومته ومناوراته في تشكيل الحكومة وعدم إعطاء التيار ما يريده من حصة تحت اسم رئيس الجمهورية. وكلاهما يريدان أن ينتهي نفوذ التيار مع انتهاء العهد. ولعل افتتاح بري وجعجع معركة الرئاسة والحكومة من باب استهداف العهد سيضيف على أجندة التيار التصعيدية مهمة جديدة في الأيام المقبلة، بعدما حدد خصومه علانية برنامج عمل المرحلة.
لا يمكن النظر إلى ما يراه التيار في انسجام موقف بري والقوات، إلا من زاوية التقائهما الفعلي على جردة حساب ضد العهد. لأن لكل منهما حساباته. فبري أراد فرض إيقاعه الرئاسي والحكومي، مفنداً بدقة ملاحظاته، ولعل أهم ما فيها عدا عن توجيهه الانتقادات المعتادة إلى أداء التيار، استعادته من خلال دوره رئيساً للمجلس النيابي المبادرة وردّها إلى مجلس النواب الذي له وحده حق تفسير الدستور. وهذه ليست المرة الأولى التي يتمسك فيها بدور المجلس وتفنيد دوره في هذا الحقل، وسبق أن رد على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في كلام حول دور المجلس الدستوري في تفسير الدستور. علماً أنه في هذه النقطة، يتمسك بدور الرئاسة الثانية كما بدور المجلس ككل. والتمسك بدور الرئاسة الثانية يجعل منه فعلياً «حارساً» لتذكير الرئاسة الأولى بانتهاء دستور ما قبل الطائف وأعرافه، سواء في ما يتعلق بتشكيل الحكومة قبل انتهاء العهد أو مع انتهائه، أو حتى بأي أعراف أخرى تتعلق برئاسة الجمهورية.
يستعيد بري كذلك تحديده مواصفات الرئيس المقبل، وهو هنا كذلك يوجه رسائله إلى حلفائه قبل خصومه، مستبقاً أي وعود وأي تسويات مسبقة تفرض عليه من عل كما سبق فعله قبل ست سنوات. وإذا كان بري حدد موقفه النهائي ممن يرفضهم، فإنه في المقابل فتح الطريق للنقاش في من يقبل بهم من مرشحين، ولم تفته الإشارة في هذه المواصفات إلى الحيثية المسيحية ومن ثم الإسلامية والوطنية.
وجه بري رسائله إلى حلفائه قبل خصومه مستبقاً أي وعود وأي تسويات مسبقة تفرض عليه


ومن الحيثية المسيحية ينطلق جعجع في مقاربته موضوع رئيس الجمهورية. فالقوات التي تحدد خريطة طريقها في الملف الرئاسي يوم الأحد، سترسم إيقاع حركتها على خوض هذا الاستحقاق للمرة الثانية بعد عام 2014 كطرف أساسي. لا شك أن انتهاء ست سنوات من عهد حفل بكل الاستحقاقات والمخاطر والانهيار الداخلي على كل مستوياته، يشكل للقوات عنواناً على طبق من ذهب، في استعادة المبادرة أيضاً أمام شارع أعطاها في الانتخابات نسبة أصوات تكفي لتتحدث باسمه انطلاقاً من حيثية مسيحية. وإذا كان زمن الحسابات قد بدأ، فكل طرف بدأ يعد العدة لجردة كاملة مع العهد، تنهي آخر أيامه بغير سلام متوقع ولا باحتفالات كتلك التي رافقت اتفاق معراب أو 31 تشرين الأول عام 2016، لتصل الجردة إلى التيار لسحب بساط الحزب الواحد من أمامه، ومعها الحيثية المسيحية التي لم يعد يتفرد بها. والقوات التي تخوض استحقاق الحوار في الداخل مع قوى المعارضة، حول رئاسة الجمهورية وتحاول فتح خطوط مع قوى سياسية أخرى من أجل إتمام الاستحقاق، ستكون أمام امتحان حقيقي في تحديد خيارات سياسية عالية السقف وقت البحث عن شركاء لخوض الانتخابات على قاعدة عناوين سياسية واضحة. فخيار رفع السقف العالي ضد الموالاة يرتبط فعلياً بالقدرة على خلق فرص مؤاتية للمعارضة في خوض الاستحقاق جبهة واحدة، رغم اختلاف الظروف بين معارضي اليوم وقوى 14 آذار عام 2014. وهي هنا تصر على فتح خطوط التواصل للوصول إلى وحدة المعارضة. ويرتبط كذلك باحتمال رفع سقف البازار السياسي إلى الحد الأعلى من أجل الوصول إلى تسوية رئاسية، في وقت تصر القوات على القول إن خطابها سيكون عالي السقف للتمسك برئيس سيادي إصلاحي، وبلهجة مرتفعة تجاه حزب الله كمسؤول عما وصل إليه الوضع، ولمنع وصول رئيس من فريق 8 آذار.
لكن رغم كل هذه السقوف العالية فإن التوقعات محدودة في أنها سترسم فعلياً معالم الرئاسة الأولى، ما دام الجميع متفقاً حتى الآن أن لا انتخابات رئاسية في المدى المنظور.