قبل أسابيع، قصدت السفيرة الأميركية في لبنان، دوروثي شيا، بلدة حوش القنّعبة في قضاء راشيا، حيث قضت، برفقة عدد من أركان السفارة، ساعات طويلة. الزيارة «الدبلوماسية» لتلك البلدة الصغيرة، الواقعة في وادٍ بين البقاع الغربي وجبل الشيخ، لم تكن لأهداف «استطلاعية»، ولا لافتتاح مشروع مموَّل من إحدى الوكالات الأميركية. الهدف الوحيد كان تمضية الوقت في منزل العميد المتقاعد من الجيش، طوني منصور، الذي شغل حتى الشهر الأخير من عام 2020 منصب مدير المخابرات في الجيش. وقبل زيارة شيا لتلك البلدة التي تٌعدّ «نائية» بمقاييس أهل العاصمة ومحيطها، سافر منصور إلى الولايات المتحدة، برفقة زوجته، بناءً على دعوة رسمية موجّهة إليه.

يندر أن يتمتع ضابط في الجيش بعلاقة مميزة كالتي جمعت منصور بالسفارة الأميركية وسائر المؤسسات والوكالات العاملة فيها ومنها. يمكن تلخيص هذا الواقع بأن منصور كان حصّة الأميركيين الكبرى في المؤسسة العسكرية، منذ بداية عهد العماد جوزف عون في اليرزة. ورغم إحالته على التقاعد، لم تتراجع صلة المدير السابق للمخابرات بالأميركيين، وهذا أيضاً ممّا يميّزه عن أقرانه من الذين يتمتعون بالرضى الأميركي.
قبل تعيينه مديراً للمخابرات، كان منصور يشغل منصب أمين سر المديرية. الصفة، بصورة أدق، أنه كان «رئيس أمانة السر». وهذا المنصب يعني أن كل بريد مديرية المخابرات يمرّ من «بين يديه». كل البريد بلا استثناء. ولأجل ذلك، من المستبعد ألّا يكون منصور على علم بوجود 2750 طناً من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، أثناء تولّيه «رئاسة أمانة السر». وفي تلك الفترة، أي قبل نيسان من عام 2017، لم يكن يتحمّل أي مسؤولية إجرائية متصلة بوجود النيترات، أو بإمكان التخلّص من مكوّنات القنبلة التي انفجرت يوم 4 آب 2020. لكن، وبعد تعيينه مديراً للمخابرات (نيسان 2017)، صارت لمنصور صلاحيات تنفيذية واسعة، وخاصة أن «جهاز أمن المرفأ» يتبع له مباشرة، وليس بينهما، في التراتبية، أي مدير فرع. و«جهاز الأمن» هو مكتب مديرية المخابرات في المرفأ. وله الكلمة العليا، والأولى والأخيرة، في ميناء العاصمة. ورغم ذلك، لم يستمع المحقق العدلي الأول في جريمة انفجار المرفأ، القاضي فادي صوان، لإفادة منصور. كما لم يستمع إليه، ولو بصفة شاهد أو «مُستَمَع إليه»، المحقق العدلي الحالي القاضي طارق البيطار. وعندما سئل الأخير، من قبَل بعض زملائه، عن سبب امتناعه عن استجواب منصور، قال القاضي إن العميد المتقاعد لم يكن يملك أي صلاحية سوى إحالة مراسلات النيترات إلى مدير المخابرات قبل عام 2017، أي العميد إدمون فاضل ثم العميد كميل ضاهر. «وماذا عمّا بعد تعيينه مديراً؟»، سُئِل البيطار، فأجاب: «لم تصله مراسلة». فقال أحد القضاة للمحقق العدلي: «لكنه كان يعلم يوجود النيترات منذ أن كان أميناً للسر»، فردّ البيطار: «يصل إلى أمانة السر آلاف المراسلات، فهل تريدون من العميد منصور أن يتذكّر كل تلك المراسلات؟».

أداء البيطار يسمح بالشك في أنه حيّد منصور بناءً على علاقة الأخير بالأميركيين


بهذه الصورة «ختم» البيطار «التحقيق» بشأن منصور، الذي تفرض عليه مهامه أن يكون على علم بوجود 2750 طناً من المواد القابلة للانفجار في العاصمة، من دون أي إجراءات حماية، والذي ترده يومياً تقارير من جهاز أمن المرفأ، تشمل ما هو أدنى من معلومات عن تحقيقات على مدى عام كامل بشأن وجود كمية هائلة من نيترات الأمونيوم القابلة لتدمير جزء كبير من العاصمة وقتل المئات وجرح الآلاف وتشريد عشرات الآلاف.
القاضي البيطار هو السيّد الأوحد للتحقيق. وله كامل الصلاحية التي تخوّله اختيار السبل التي يراها مناسبة للتحقيق. لكن تحييد منصور تحييداً كاملاً عن الاستجواب يتيح لأيّ كان أن يربط هذا التحييد بالحظوة التي يتمتّع بها منصور في عوكر وسائر الوكالات الأميركية. وما يحول دون هذا الاستنتاج خطوة وحيدة: أن يكون أداء المحقق العدلي مغايراً للسلوك الذي اتبعه في الأشهر الأخيرة.
الحصانة التي يحظى بها منصور، وتحول دون الاستماع إلى إفادته، يبدو أنها تسري أيضاً على آخرين. يشير متابعون لملف التحقيق في انفجار المرفأ إلى أن البيطار قرّر عدم توقيف قائد الجيش السابق، العماد جان قهوجي، بعد تدخّل قائد الجيش الحالي العماد جوزف عون. وبحسب المصادر نفسها، فإن العماد عون يرفض تسجيل سابقة توقيف قائد جيش سابق، لأن هذا الأمر «يُضعِف معنويات المؤسسة العسكرية». وتشير المصادر إلى أن البيطار «اقتنع» بمقولة عون. ودليلهم على ذلك أن المحقق العدلي، في الفترة الفاصلة بين ردّ القاضي نسيب إيليا طلب ردّ البيطار في الرابع من تشرين الأول 2021، وبين تبليغه بكفّ يده من قبل القاضي حبيب مزهر في الرابع من تشرين الثاني 2021، لم يحدّد أيّ موعد لاستجواب قهوجي، رغم إرجاء الجلسة السابقة التي كانت مخصصة لذلك يوم 28 أيلول 2021 بسبب تبلّغ البيطار بتقديم طلب لردّه عن متابعة النظر في الملف. وتذكّر المصادر بأن البيطار كان مستعجلاً استكمال التحقيق مع قهوجي، إلا أنه فرمل استعجاله، وفضّل استهلاك شهر كامل في تحديد جلسات لاستجواب نواب ووزراء سابقين كان يعرف أنهم لن يحضروا إلى مكتبه.
في المقابل، تردّ مصادر على صلة بالبيطار بأنه لم يُنهِ عمله بعد، ومن غير المستبعد، بعد عودته لممارسة مهماته، أن يحدد جلسة للاستماع إلى إفادة قائد الجيش السابق، وربما توقيفه.



ريفي «كان يعلم» أيضاً
«الاستنسابية» المنسوبة إلى المحقق العدلي طارق البيطار لا تقتصر على إصراره على تحييد قيادة الجيش الحالية، وربما السابقة، عن المسؤولية في كل ما يتعلق بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، منذ عام 2014 حتى انفجار 4 آب 2020. هذه الاستنسابية تظهر أيضاً على المستوى السياسي. آخر ما ظهر إعلامياً، الوثيقة التي نشرها الناشط فوزي مشلب على حسابه على موقع «تويتر» صباح الجمعة الماضي، وهي كناية عن كتاب مُرسل من النائب العام التمييزي (السابق) القاضي سمير حمود، إلى وزير العدل (السابق) أشرف ريفي، في 30/6/2014. وفي الكتاب، يذكر حمود أن الباخرة «روسوس» تحمل 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم «السامة والخطرة». ورغم ذلك، لم يحرّك ريفي أي ساكن لمنع إفراغ حمولة الباخرة، ولم يقم بأي إجراء يُذكر. وعلى مدى العام الماضي، كان ريفي يحاضر في وجوب محاكمة المسؤولين الذين علموا بوجود نيترات الأمونيوم، إضافة إلى تشديده الدائم على «خبرته» الأمنية والعسكرية، بصفته مديراً عاماً سابقاً لقوى الأمن الداخلي. وسبق لريفي أن حمّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مسؤولية انفجار المرفأ، بسبب «خلفيته العسكرية».
ولم يتضح بعد كيف سيتصرّف القاضي البيطار مع ريفي، علماً بأنه لم يستمع لإفادته، واكتفى بالإفادة التي قدّمها ريفي للمحق العدلي السابق فادي صوان، بصفة شاهد.