تلقّى كل من اتحادَي بلديات صور والقلعة، كتاباً من رئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر، يطلب السماح بطمر الحمأة الناتجة عن محطتي صور وتبنين. في الكتابين، يفيد الجسر بأن مجلسه «يقوم بتشغيل المحطتين تجريبياً وصيانتهما بواسطة المتعهد، شركة أو تي في».


عمل الشركة (التي تشغّل أيضاً محطة النبطية جنوباً)، «ينتج عنه يومياً رمول ووحول تتم معالجتها بواسطة الكلس، ثم تُخزّن في أكياس في حرم المحطتين لعدم توافر مطمر صحي للنفايات المنزلية لطمرها». بالنسبة إلى محطة تبنين (قضاء بنت جبيل)، يلفت الجسر إلى أنه «لم تعد هناك إمكانية للاستمرار بتخزين الوحول المعالَجة في حرم المحطة». وفي الكتابين، يتشارك الجسر مع الاتحادين همّ «عدم إيجاد حل للموضوع، لأنه قد يؤدي إلى إيقاف المحطتين عن العمل وتصريف المياه المبتذلة إلى المجرى المائي قرب محطة تبنين، والبحر قبالة محطة صور، مع ما ينتج عن ذلك من أضرار بيئية وصحية كبيرة». ذلك التمهيد، كان مقدمة ليطلب من احاد صور «استعمال المطمر الصحي للنفايات المنزلية العائد له، أو أي مطمر يراه مناسباً»، كما طلب من اتحاد القلعة «استعمال المطمر المنزلي العائد له في بلدة معركة (قضاء صور)».

رمى الجسر أخطاء مجلسه في تصميم وتنفيذ وتشغيل المحطتين على البلديات. وبالرغم من أنه في كتابَيه يبدي قلقه من التلوث البيئي في المنطقة، لكنه لا يتوانى عن خلق تلوث جديد عبر طمر الحمأة في المطامر المختلَف على التزامها بالشروط الصحية. قبل ثلاث سنوات، واجهت المجلس أزمة مماثلة في الحمأة الناتجة عن محطة النبطية التي تشغلها الشركة نفسها. فاجترح الجسر مخرجاً بتكليف متعهد آخر لنقل الحمأة من النبطية إلى منطقة زحلة، لرميها من دون طمر حتى. وقبل سنة، استجدّت المشكلة نفسها في محطة زحلة. فكان المخرج برمي حمأتها في جرود بعض قرى بعلبك.
المجلس الذي يواجه اتهامات بالفساد وهدر المال العام وسوء التشغيل، استسهل حل الرمي من دون تجهيز خطة لمعالجة الحمأة. علماً بأن الشركات المشغّلة كانت تدّعي بأن العقد المبرم بينها وبين المجلس لم يلحظ الحمأة، منها الشركة الإيطالية التي تشغّل محطة زحلة. ما يكشف عن سوء تصميم وتخطيط في منظومة المحطات، عدا سوء التنفيذ والتشغيل لاحقاً.

لكن يبدو بأن المجلس الذي يمثّل الدولة اللبنانية في مشاريع البنى التحتية، اجترح مخرجاً آخر للهروب من ملفّ محطات تكرير الصرف الصحي، التي تفضح يوماً بعد يوم حجم الهدر العام وسوء الإدارة. المخرج الجديد هو تسليم المحطات لمؤسسات المياه التي تتبع لوصاية وزارة الطاقة والمياه. وفي هذا الإطار، تلقّت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، كتاباً من المجلس عبر الوزارة، يفيد بأن المجلس سيسلّمها في شهر حزيران المقبل كلّ منشآت الصرف الصحي الواقعة في نطاق محافظتي الجنوب والنبطية. وفي الكتاب، يوصي المجلس «مياه الجنوبي» بالحفاظ على المنشآت وحسن إدارتها! حتى إن عملية التسليم لم تفلت من التنفيعات. منفعة سوف يحظى بها أحد الاستشاريين، مقابل بدل مادي طبعاً، «لمساعدة المؤسسات على وضع دفاتر شروط لتلزيم خدمات الصيانة والتشغيل».

من جهتها، ردّت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي على قرار تسليمها المحطات (صور والنبطية وتبنين قائمة والخيام قيد الإنشاء)، بعد شهر في كتاب استعرضت فيه العراقيل التي تعيق التشغيل بالرغم من موافقتها المبدئية على التسلّم. وقال المدير العام للمؤسسة وسيم ضاهر، لـ«الأخبار»، إن أسباباً عدة ستؤدي إلى فشل التشغيل والإدارة، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية. هذا يضاف إلى أن المؤسسات التي أُنشئت عام 2001، سوف تتسلم منظومات أشرف عليها المجلس منذ الثمانينيات، ما يعني «أننا نتسلّم محطة لا نعرف كيف تعمل ولدينا ملاحظات كثيرة على طريقة تصميمها وتنفيذها وتشغيلها». ومن أبرز العوائق «عدم توافر كوادر وظيفية كافية، في مقابل جباية غير كافية لإدارة القطاع الصحي، بسبب ارتفاع كلفة التشغيل والصيانة، وعدم القدرة على مراقبة نوعية المياه المبتذلة لعدم توافر الشبكات الموصولة مع المحطات، أو لعدم توافر معلومات دقيقة عن الأنشطة الصناعية في نطاق كل محطة». وبالاستماع إلى الثغرات التي تعتري منظومة كل محطة، ندرك بأن ضاهر أمام عجائب. ويضيف: «بعض الشبكات موصولة على مياه الأمطار والصرف الصحي، وبعض خطوط التكرير في المحطات معطلة لعدم قدرتها على استيعاب المياه المبتذلة المحوّلة». أكثر ما يشغل بال ضاهر، القدرة على تأمين المال اللازم لتشغيل وصيانة المحطات، في ظل ارتباطها بالدولار. «تسلّمنا بعد شهر، سيؤدي إلى تدمير قدراتنا المالية والبشرية وإفلاسنا، وخلال فترة وجيزة، سوف يُحرم المستفيدون من مياه الشفة». واللافت بأن القطاع برمّته سوف يسلَّم إلى مؤسسات المياه، مع الديون المستحقة للشركات المشغّلة، والتي تصل إلى حوالى سبعة ملايين دولار!