إنها المرة الأولى منذ 45 عاماً، تتخلف صيدا عن تعقب آخر خطوات معروف سعد قبل إطلاق الرصاص عليه في ساحة النجمة عام 1975 خلال قيادته تظاهرة مطلبية للصيادين. لم تتأخر المدينة وجوارها جنوباً حتى إقليم الخروب إلى سائر الوطنيين، عن المشاركة في مسيرة الوفاء السنوية التي ينظمها التنظيم الشعبي الناصري والقوى الوطنية إحياء لذكرى اغتياله في 26 شباط. لكن فيروس كورونا منع الأوفياء من تعقب مسيرته الأخيرة من الشاكرية إلى شارع رياض الصلح والسوق التجاري باتجاه ساحة النجمة قبالة مقر البلدية.

استبدلت المسيرة الراجلة بمسيرة سيارات. العام الماضي، كانت مسيرة الوفاء آخر الأنشطة في بوابة الجنوب. ليست الأخيرة من حيث طابعها العام والشعبي فحسب، بل أيضاً الأخيرة من ناحية جمعها لسائر الحلفاء والأخصام الذين لا يجتمعون سوى تحت صورة أبي الفقراء.
في 6 آذار، أسلم الشهيد روحه متأثراً بالرصاصات التي غدرته من بين الجموع. ومثل غالبية الاغتيالات السياسية، وبرغم إحالتها إلى المحقق العدلي، إلا أن التحقيقات لم تحسم هوية الفاعلين.
روايات شهود العيان تجزم تورط عناصر الجيش الذين انتشروا على أسطح البلدية والمباني المطلة على ساحة الاعتصام. فيما اتهمت السلطة "طابوراً خامساً" بهدف إخراج الجيش من الجنوب لصالح الثورة الفلسطينية. كاد اغتيال سعد أن يفجر الوضع أمنياً فور حدوثه، لكنه تحول إلى نار تحت الرماد فجر لبنان برمته بحرب أهلية بعد حوالي شهر في 1 نيسان.
لم يكن سعد زعيماً طائفياً أو صاحب امبراطورية مالية ربطت به الناس انتفاعاً أو بالتحريض المذهبي. الدركي والبستانجي والمقاتل في فلسطين حتى نكبة 1948، كان واحداً من الناس، يشبههم حتى في استخدامه للضرب أحياناً للثأر لمظلوم كصفعه شرطي البلدية لتحريره ضبطاً بحق بائع خضر. من دون اصطناع، قدّم سعد، وأسرته من بعده، صورة تليق بعاصمة الجنوب. من الجذور، من والدة معروف جميلة عطا، ابنة درب السيم المسيحية المجاورة لصيدا التي ربته على التسامح اللاطائفية إلى الناصرية والقومية العربية وفلسطين مروراً بمناصرة القضية الفلسطينية وتبني كل مقاومة ضد العدو الإسرائيلي وعملائه.

«إني أقف هذا الجسم والعقل السليمين على خدمة الإنسانية المعذبة»


في يوم أربعاء ماطر بتاريخ 26 شباط 1975، انطلقت تظاهرات سلمية مطلبية للصيادين على طول الساحل اللبناني، ومنه صيدا، احتجاجاً على إنشاء شركة "بروتيين" التي منحت من قبل الدولة امتياز صيد الأسماك بواسطة بواخر حديثة بالاشتراك مع شركات أجنبية. ووجد الصيادون بـ"بروتيين" تشريداً لهم ولعائلاتهم عبر قطع أرزاقهم.
الشركة كانت واجهة للسلطة. فقد كان رئيسها الظاهر رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون وعدد من الرأسماليين والسياسيين المتمولين. لكن تردد حينها بأنهم واجهة لأمين عور، مؤسس الشركة وأحد كبار تجار المواد الغذائية.
في صيدا، انطلقت التظاهرة من ميناء الصيادين ودخلت إلى صيدا القديمة مروراً بالشاكرية وشارع الأوقاف ورياض الصلح لتصل إلى ساحة النجمة قبالة مقر بلدية صيدا. وتقدم الصيادون كلاً من نائب صيدا ورئيس بلديتها السابق معروف سعد والنائب نزيه البزري. وفور وصولها إلى ساحة النجمة التي كانت تشهد تواجداً عسكرياً كثيفاً، أطلق الرصاص وأصيب سعد وعدد من المتظاهرين.
وفي ردات الفعل الأولية، تعرضت دوريات للجيش في صيدا للاعتداء. وفي بيروت تم نسف مقر الشركة. وتصاعدت ردات الفعل الاحتجاجية عقب إعلان وفاة سعد في 6 آذار. خلال تظاهرة التشييع الحاشدة، تعرض الجيش للاعتداء.
أما وزير التجارة فقد وعد بإعادة النظر بالامتياز الممنوح لـ"بروتيين"، لتأتي الحرب الأهلية بعد شهر ونيف، وتنسف المشروع برمته.
برغم مرور 46 عاماً على استشهاده، لا يزال حضور معروف سعد طاغ في صيدا. صوره في المنازل الفقيرة وفي غرف الصيادين. أقواله لا تزال ترن في آذان المستضعفين أبرزها: «إني أقف هذا الجسم والعقل السليمين على خدمة الإنسانية المعذبة».