ليس معروفاً من بيده الأمر في مسألة تأليف الحكومة. ظاهر الأمر أن هناك نزاعاً داخلياً حادّاً على الصلاحيات. وأن قوى النظام القديم تتقاتل في ما بينها على آلية توزيع الحصص في معركة إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه. لكن في جانب آخر، تبدو المعركة أكثر قساوة عندما نرى صلتها بأحداث الإقليم والعالم. فلبنان لا يزال ساحة فعّالة لتبادل الرسائل، وفيه قوى تقوم بأدوار تتجاوز أحجامها المحليّة. بينما لا يُظهر الناس توافقاً فعلياً حول مشتركات تؤسّس لدولة عادية، بل يظهر الانقسام أكثر اتساعاً، ما يجعل قوى النظام أكثر قوة وفعالية، وما يتيح للخارج التدخل أكثر.

صحيح أنه يصعب توقع تنازلات طوعية من جانب قوى السلطة عن الامتيازات والمصالح. لكن الصحيح أيضاً، أن كلفة انتزاع السلطة منهم باتت كبيرة جداً، وخصوصاً أن المتضررين من النظام يختلفون في ما بينهم على أمور جوهرية، أولها حول طريقة نسف النظام الحالي، وثانيها حول الأدوات المفترض استخدامها في هذه العملية، وثالثها حول طبيعة البديل المفترض به إدارة البلاد. وكل ذلك كافٍ لتوقّع تفاقم الأزمة وتأخّر الحل، والخشية من توسّع دائرة الفوضى بكلّ أشكالها. وكل ذلك يدفع الى التثبّت من أن النزف المالي والاقتصادي سيكون أكثر ضرراً مما نعيشه اليوم.
المطالبون بالتغيير في لبنان كثر. بينهم من هم في موقع الحكم اليوم. وهؤلاء يريدون إحداث تغييرات في آليات الحكم وفي كيفية اتخاذ القرارات، وهم يعتقدون أن من حقهم العمل لأجل تحقيق هذا التغيير، ويتّهمون الشركاء في الحكم بأنهم يعطّلون عملهم. وهذا يشرح حال حزب الله والتيار الوطني الحر وربما القوات اللبنانية، وهؤلاء يرون أن ما يتحمّلونه من المسؤولية عن الأزمة هو صغير جداً قياساً بما يتحمله الآخرون، من تيار آل الحريري، وزعامة وليد جنبلاط وحركة أمل بقيادة نبيه بري، إضافة الى جيش من الشخصيات والقوى التقليدية والفاعليات الاقتصادية والمالية وموظفي الدولة.
والقسم الثاني من المطالبين بالتغيير، سبق لهم أن مرّوا في دوائر السلطة أو محيطها، مثل نادي النواب المستقلين، أو الشخصيات التي خرجت من السلطة بحكم تبدّل التحالفات أو رسوبها في الانتخابات النيابية. ومع هؤلاء، هناك جمهور الأحزاب المحبطة التي «خرجت من المولد بلا حمص»، وينتشر هؤلاء على طول الجبهة بيسارها ويمينها ووسطها، وفيهم من السياسيين والخبراء وأصحاب المصالح.
أما القسم الثالث، فهو جمهور المتضررين من السياسات العامة التي تدار بها البلاد اليوم. وجلّ هؤلاء لم يجدوا مكاناً لهم داخل مؤسسات الدولة، بسبب آليات التوظيف الطائفية، وحوصروا في القطاع الخاص بسبب سياسات الاحتكار من قبل الذراع الاقتصادية لقوى النظام القديم. وانتهى بهم الأمر، إما مهاجرين عادوا ينشدون مكاناً في بلاد محترمة، أو منضوين في أطر ومنظّمات استفادت من الفورة العالمية لما يسمى بالمنظمات غير الحكومية، أو السلطة البديلة أو الإدارة الموازية. ومشكلة هؤلاء ليست محصورة في عملهم القطاعي، أي أنهم لا يتوحّدون خلف رؤية مشتركة، بل في كونهم تحوّلوا مع الوقت إلى رهائن لمن يدير برامج التمويل الخاصة بهم. بالتأكيد، معظم هؤلاء الشباب والصبايا ليسوا من المتآمرين لضرب استقرار البلاد أو رهنها للخارج. لكن في حقيقة الأمر، تحوّلوا إلى أدوات تنفيذية في مشاريع ينجح المموّلون في دفعهم الى تبنّي خيارات تصب فعلياً في خانة تعزيز الانقسام الداخلي، ليس على كيفية إعادة بناء الدولة، بل على هويتها الوطنية. والأخطر بين هؤلاء، هو التسرّب الكبير للأفكار الداعية الى قبول فكرة الانتداب المباشر أو غير المباشر للخارج على طريقة إدارة أمورنا اليومية.
وسط هذه الغابة من التناقضات، يكون المشترك بين جميع المطالبين أو الراغبين في التغيير، هو أزمة الثقة، وأزمة البرنامج المشترك، وأزمة القيادة القادرة على بلورة خطاب وطني جامع. ومن دون مجاملة أو زرع لأوهام في رأس أحد، فإن المؤشرات والمقدمات لا تشير الى إمكانية قيام أرضية صلبة يقف عليها جميع «التغييريين» بقصد قلب الحكم والاتجاه صوب نظام جديد يدير هذه البلاد. وما يعزز الأزمة، هو الاستنفار غير المسبوق لكل أنواع الغزائز والمخاوف ذات الجذر الطائفي والمذهبي والمناطقي والطبقي أيضاً. وهي غرائز تعيق العقل وتسمح بتعميق الشرخ، حتى يصل المرء الى مرحلة الإحباط وفقدان الأمل من أي تغيير ممكن في المدى المنظور. وربما يتحول هذا الإحباط الى سبب للاتكال على حلول مجنونة تأتي من خارج الحدود، سواء على شكل وصاية مباشرة كما كانت تفعل سوريا بالاتفاق مع أميركا والسعودية سابقاً، أو على شكل إدارة انتدابية تتولى الإشراف على جميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والمالية أيضاً. وفي هذه الحالة، سيكون من الصعب توقّع توافق. بل على العكس، ستكون هناك مقاومة شرسة من شأن نتائجها تعميق الانقسام أيضاً.

تجربة بسيطة يقوم بها أيّ باحث اليوم تجعله يكشف حجم الاختلافات بين القوى التي تدّعي التغيير، أو حتى صاحبة المصلحة بالتغيير


لذلك، وفي انتظار «معجزة» تجمع المتضررين في غرفة واحدة وأمام مهمة واحدة، سيكون من المنطقي توقع المزيد من المشاكل والصعوبات. ولكي لا يكون ذلك سبباً في الصمت والإحباط والامتناع عن المحاولة، يجدر بمن يهمّه الأمر، أن يعلن حقيقة طموحاته وطبيعة تصوره للتحالفات، وتقديره للدور المفترض للنظام أن يقوم به، سواء لخدمة أهله، أو لجهة علاقاته بما يجري في المحيط القريب أو البعيد. وهذا ما يوجب الأسئلة المحرّمة التي يهرب الجميع من الإجابة عنها، أو تهرب الغالبية من البحث فيها عن أجوبة واضحة، ومن هذه الأسئلة:
ــــ هل للبنان دور وليس مجرد موقف من الصراع مع إسرائيل في حدود المواجهة الجغرافية، أو ما هو أبعد من هذه الساحة؟
ــــ هل للبنان قدرة على مغادرة مربّع الانتماء «حضارياً» الى المشروع الغربي، واقتصادياً ومالياً وأكاديمياً وعلمياً وعسكرياً وتنموياً؟
ــــ هل للبنان قدرة على العيش ضمن حالة انكماش تطابق حالته الاقتصادية، فيقبل أهله العيش مثل مواطني الدول النامية، فلا يكون لديهم نظام استهلاك يفوق قدراتهم الإنتاجية؟
ــــ هل للبنان القدرة على البحث عن عناصر التكامل الاقتصادي والمعرفي والعلمي مع سوريا ودول الجوار بمعزل عن طبيعة الأنظمة الحاكمة في هذه الدول؟
ــــ هل للبنان قدرة على خوض تجربة انتقالية من دولة تحصر فيها الامتيازات الطائفية ضمن حدود سلطة استشارية، قبل التحوّل نهائياً نحو دولة مدنية لا تقيم وزناً لغير المواطنة؟ وبالتالي، هل للبنان قدرة على إطلاق معركة إبعاد «الدولة الطائفية العميقة» الموجودة في المؤسسات الدينية وآليات التوظيف وقوانين الأحوال الشخصية والتشريعات الخاصة بآليات الانتخاب ولوائح الشطب؟
قد تبدو العناوين بسيطة، وكذلك الأجوبة عنها. لكنّ تجربةً بسيطة يقوم بها أيّ باحث اليوم تجعله يكشف حجم الاختلافات بين القوى التي تدّعي التغيير، أو حتى صاحبة المصلحة بالتغيير. وهذا كافٍ للاستنتاج بأنّ الحاجة الى تغيير لا تكفي للقول بإمكانية تحقيق التغيير. وعند هذا الحدّ، يتحوّل الجميع الى مشخّصين لواقع الحال، ومقترحي حلول نظرية. لكن يصعب توقّع خطاب أو خطة عملانية تُحدث فرقاً في هذه البلاد التي ستكون حتماً حالة دراسية لكل باحث في الفلسفة وعلم النفس وعلوم الاجتماع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا