طرابلس | منذ غزوة الصلح التي باغت فيها شبان من باب التبانة سكان جبل محسن بحماية مكثفة من القوى الأمنية والعسكرية، لم يتسنّ الوقت الكافي للأخيرين لإعادة حساباتهم، ولفحص الربح والخسارة. في الأساس، تفاصيل الصلح، تماماً كما هي تفاصيل الخطة الأمنية، صيغت في مكان آخر، وما على المتقاتلين سوى الانكفاء، وترك الميدان لـ«تعايش» أبناء المنطقتين ولأشياء أخرى.


أوضاع سكان الجبل لا تقل سوءاً عن أقرانهم في باب التبانة. يكفي قبولهم بالصلح المباغت بعد ست سنوات من جولات الدم والدمار من دون أن يتكلف المعنيون عناء ولو ساعات قليلة لتهيئة الأجواء وتهدئة النفوس، يكفي ذلك للدلالة على مدى التهميش وسوء الحال، وعلى سهولة استخدامهم لمشهديات شتى، من ذروة القتال الدموي إلى الرقص فرحاً قبل أن تجف دماء القتلى أو تلتئم جراحات المصابين.
لا تزال آليات الجيش والأمن الداخلي تصول في طول الجبل وعرضه. متاريس كثيرة أزيلت، ومثلها بعض عوائق القنص الفاصلة بين خطوط التماس. آثار الجدران المكسرة لا تزال مرمية في مكانها، هنا بلدية طرابلس لم تنتبه لعودتنا جزءاً من المدينة، يقول أحد المقيمين قبالة محور الريفا. أما مقابل سقي طرابلس فلا يزال ينتصب ستار باطوني سميك، كتب عليه الجيش سياج الوطن، هو نوع من «التواطؤ الإيجابي» قوامه تفهّم الجيش لخشية الأهل من احتمال فشل الخطة الأمنية، وبخاصة أن هذا الستار يكشف عمق منطقة سكنية في الجبل. باتجاه المنكوبين فتحت الطريق، لكن الجيش اللبناني وضع عوائق تقنن مرور السيارات، وابن الجبل لا يتحمس لتجاوز الحاجز المذكور بعيداً.
شيء قليل من الحياة بدأ يعود. الحركة القليلة بنظر أهل الجبل كانت «تمام»، كيف لا؟ والحاجة الملحة كانت تدفع ابن الجبل إلى خوض مغامرة الموت، أو قطع الأرجل أقله، من أجل تحصيل لقمة العيش. أما اليوم فبالإمكان العودة إلى أماكن العمل خارج الجبل، كما بالإمكان إعادة فتح المحال التجارية وتجديد بعض المصالح، رغم أن «الرِجل الغريبة» لم تتشجع بعد لزيارة الجبل، يقول صاحب مغسل للسيارات كان يدخن نرجيلة مع زمرة من رفاقه.
في الجبل، كما في التبانة، جملة مشتركة، «الخطة الأمنية عنا وبس»، ويؤكد الكثير من شبان الجبل (رغم أن ذلك مخالف للواقع) أن الجيش اللبناني لم يدخل بعد إلى الأحياء الداخلية من باب التبانة، كما يدّعي شبان في باب التبانة أن رفعت عيد لا يزال في مركز إقامته.
لا غرابة في حالة الارتياب المتبادل في طرابلس، بعد أن كان الخطاب الطائفي قد بلغ مداه الأوسع من دون قفازات ولا محسنات. السعار المذهبي أسقط كل المحرمات، في مآذن المساجد، في الشارع، ولا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي. الشهيد هنا، فطيسة هناك، ودموع المآسي هنا زغاريد أفراح هناك، والعكس صحيح. ومع كل طلقة رصاص كانت تغص مواقع وشبكات التواصل بصيحات «أسود السنّة» وصقورهم، مقابل صرخة «يا علي مدد». وكلما اشتد أوار المعركة كان كلام يدور عن مسح الطائفة العلوية من الوجود، مقابل كلام آخر عن تدمير طرابلس بترسانة عسكرية ضخمة توجد في جبل محسن.
فجأة، الضباط وعناصر الجيش الذين كانوا مضطرين إلى غض الطرف عن مجموعة مسلحة تتمشى قرب ملالة للجيش، صار بإمكانهم إنجاز مداهمات في عمق التبانة، وإلقاء القبض على مطلوبين في التبانة والجبل على السواء. إنه رفع الغطاء السياسي عن المتحاربين. واضعو الغطاء رفعوا غطاءهم. قادة الصراع الحقيقيون اتفقوا أو تفاهموا على إدارة الخلاف بوسائل أخرى. في الحرب استنفروا الحس المذهبي إلى أقصى حدوده، فصارت الحرب في طرابلس بين سنّتها وعلوييها. قادة السنّة السياسيون سحبوا المقاتلين ومسؤولي المقاتلين والمحاور، بينما قادة العلويين، السياسيون منهم والعسكريون، تواروا عن بكرة أبيهم. الأولون، رغم أنهم تباروا تحت قبة البرلمان في «ارتكاب المعاصي من دون أن يستتروا»، بدوا شركاء في إدارة الخطة الأمنية، جاهزين لـ«فك رقبة» من يعترضها من أتباعهم قبل الخصوم، أما الآخرون فقد سطّرت بحقهم الاستنابات وغدت طائفة بأكملها، من دون مقاتلين ومن دون مرجعية سياسية. هنا غاب الوكيل فحضر الأصيل، بينما هناك، فقد طار الوكيل والأصيل سواء بسواء.
هنا طائفة يتبارى تيار المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي وآخرون في كسب ودّها، ويتراشقون تهم التسبب بالفلتان الأمني السابق ووقوع الضحايا، وهناك لا مرجعيات ولا من يحزنون.
بصعوبة يطل المجلس الإسلامي العلوي لينطق باسم العلويين، ولكن لا هو يدّعي الحلول محل المرجعية السياسية في الجبل، ولا هو مستهاب من جانب المراجع والكتل الطائفية الأخرى. يقول رئيس المجلس أسد عاصي لـ«الأخبار» إن «الشعب هنا يؤمن بزعامة الأستاذ علي عيد»، ويضيف قائلاً: «مسؤولو الجبل تواروا عن الأنظار لتهدئة الأوضاع»، أما المصالحة المزعومة التي حصلت، فهي «جس نبض لمحاولة عزل المرجعية السياسية عن جمهورها». وفي ردّه عمّا إذا كان المجلس الإسلامي العلوي حاضراً، ولو موقتاً، لتمثيل العلويين، أجاب عاصي «إذا كان الطرف الآخر يريد التحاور معنا فأهلاً وسهلاً، ولكن إذا كان لا يؤمن بالمرجعية الدينية، فنحن مع من نتفق»؟