أول من أمس، وردت الى «الأخبار» معلومات غير رسمية عن صدور قرار بمنع الزميل رضوان مرتضى من دخول المحكمة العسكرية. بعد التدقيق، تبين أن القرار صادر بناءً على طلب، شخصي، من قائد الجيش العماد جوزف عون. أمس، نشر موقع «ليبانون ديبايت» الإلكتروني المشغّل من قبل مكتب قائد الجيش (الى جانب مشغّلين آخرين) خبراً عن قرار المنع، مؤكداً أنه صادر عن «قيادة الجيش»!

يريد العماد جوزف عون معاقبة زميلنا، بذريعة أنه استخدم تعبير «حمرنة» لوصف أداء قيادة الجيش، السابقة أولاً، والحالية ثانياً، في سلسلة الأحداث التي أدّت الى انفجار نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. تفجير هو من الأكبر في تاريخ البشرية، دمّر مرفأ ومدينة، وقتل أكثر من 200 شخص، وجرح الآلاف وشرّد عشرات الآلاف... وقع بـ2700 طن من نيترات الأمونيوم، فيما كانت قيادة الجيش السابقة، كما الحالية، تتعامل مع المواد التي فعلت بلبنان وسكانه ما فعلت يوم 4 آب 2020، على أنها سماد. قيادة الجيش المسؤولة، بحكم القانون كما بحكم تجاوزه، عن كل ما له صلة بالمواد المتفجرة، كما المسؤولة الاولى والحصرية عن أمن المرفأ، انزعجت من كلمة «حمرنة».
مسألة معاقبة الزميل مرتضى تأخذ حيزاً كبيراً من النقاشات في مكتب قائد الجيش، حتى بدت هي القضية المركزية في اليرزة. المحكمة العسكرية لا يمكنها إصدار قرار يمنع أحداً من دخول مبناها، من دون سبب قانوني متصل بعرقلة سير المحكمة أو المس بها مباشرة. وأي قرار من هذا النوع يسقط في القضاء المدني. كذلك فإن المحكمة غير تابعة إدارياً لقيادة الجيش، لتتلقى الأوامر من العماد جوزف عون. ورضوخها لأمر مماثل يعني أن كل أحكامها تُصدرها هيئة مكتب القائد المؤلفة من وسيم الحلبي وعماد خريش ورونيت ضاهر، بدلاً من هيئة المحكمة التي تنعقد للمحاكمة وتتذاكر لإصدار الأحكام.
كذلك، يضع هذا القرار، في حال تطبيقه، وزيرة الدفاع، زينة عكر، في موقف حرج. فالمحكمة تابعة لها، وهي تتحمّل مسؤولية إلزامها بعدم ارتكاب مخالفات قانونية.
أمام هذا الواقع، كان القائد وفريقه يبحثان عن سلّم للنزول عن الشجرة. أحد الاقتراحات التي جرى التداول بها يقضي بأن تصدر مديرية التوجيه بياناً تنفي فيه وجود قرار بمنع مرتضى من دخول المحكمة العسكرية، على أن يتم توريط النيابة العامة العسكرية، بشخص القاضي فادي عقيقي، بملاحقة الزميل مرتضى بتهم القدح والذم والمسّ بهيبة الجيش وما شاكل من مواد قانونية تُستحضر عندما يريد القائد ملاحقة أحد ما.
مشكلة قائد الجيش ليست في ما قاله رضوان مرتضى. ففي قضية جريمة المرفأ تحديداً، لجوزف عون درع تحميه. وهذه الدرع متعددة الطبقات. وهو نجح، حتى الآن، في إبعاد نفسه، وسلفه، عن أي شبهة في جريمة تفجير المرفأ، رغم مسؤوليتهما الواضحة وضوح اليقين عن كل ما له صلة بالمواد المتفجرة، وبأمن المرفأ. طبقة الحماية الأولى يؤمنها المحقق العدلي فادي صوان. فهو - الى كونه قاضي تحقيق عسكري منذ أكثر من ١٠ سنوات، مع ما لهذه الوظيفة من ارتباط عمليّ تام بالمؤسسة العسكرية (رغم أن القانون يوجب الفصل التام) - قرر إدارة التحقيق بصورة بهلوانية، تسمح له بالانتقائية من جهة، وبخفض مستوى المسؤوليات من الجهة الأخرى. صحيح أنه أبدع بدعة حسنة بملاحقته رئيس حكومة ووزراء ونواباً، إلا أن انتقائيته جعلت لهذه الخطوة التاريخية مضموناً سياسياً (بالمعنى غير النبيل لكلمة سياسة). وصحيح أنه لاحق مديرين عامين، لكنه قرر تحييد قائدي الجيش الحالي والسابق، ومديري المخابرات السابقين، والتنكيل في المقابل بضباط صغار من الامن العام، لا صفة لهم في القضية، أو طلب الادعاء على مسؤولين في الجمارك لم تدس أقدامهم حرم مرفأ بيروت منذ ما قبل إنزال شحنة نيترات الأمونيوم الى المرفأ. كل طرق فادي صوان كانت تصبّ في طاحونة حماية قائد الجيش الحالي وسابقه، الى جانب حماية الرئيس سعد الحريري.
الطبقة الثانية من الدرع التي يحظى بها جوزف عون، في ملف المرفأ كما في غيره، تؤمّنها له القوى السياسية، التقليدية والبديلة، التابعة للولايات المتحدة كما المعادية لها، الوسطية والمتطرفة... جميعهم يرفضون رؤية قائد الجيش كبشري يخطئ ويصيب، وفي السنتين الأخيرتين، يُكثر من الأخطاء.
الطبقة الثالثة، بعد تفجير المرفأ كما قبله، وهي طبقة «التلميع» التي تتولاها وسائل الإعلام. جيش من الصحافيين الذي يريدون رضى القائد، ومكتبه، ومديرية المخابرات، ويحصل بعضهم على مخصصات مالية شهرية تأتي من «النفقات السرية» المرصودة في الموازنة العامة، أو من «الصندوق الخاص» الموضوع حصراً بتصرف قائد الجيش (سائر الأجهزة الأمنية، من دون استثناء، تعتمد الأسلوب نفسه مع مجموعة كبيرة من الصحافيين). يُضاف إلى ذلك «تراثٌ» سياسي إعلامي يمجّد الجيش في سياق اختراع أسطورة مؤسسة لوطن لبناني متخيَّل. يُعطَف ذلك على كون مموّلي الغالبية العظمى من وسائل الاعلام في لبنان (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات) يحرصون أيضاً على تلميع صورة جوزف عون. هم يرون فيه استثماراً استراتيجياً، كقائد للجيش، وكمرشح حتمي لرئاسة الجمهورية.
هذه الدرع المثلثة، المحلية - الإقليمية - الدولية، تجعل جوزف عون حيث لا يزعجه لفظ قاله رضوان في سياق توصيف الجريمة غير المسبوقة في تاريخ لبنان. ما يزعجه هو أن نتجرّأ، في «الأخبار»، على ذكر اسمه في معرض «اللامديح». لكن عليه أن يعلم جيداً أننا لن نكفّ عن متابعة جدول أعمالنا، وفيه ملاحقة العلاقة المعتلّة بين الجيش والأميركيين، وهو الاعتلال الذي ازداد حدة في عهد جوزف عون. وكما في المرفأ، كذلك عند الحدود، لن يثنينا قرار أو تعسّف عن متابعة ما بدأناه، وسيبقى جوزف عون، كسائر الموظفين والعاملين في الشأن العام، موضع مساءلة من قبلنا: كل خطوة تقوم بها عليك أن تبرّرها، قانونياً، وسياسياً.