ثمة دولة عميقة للفساد في لبنان. دولة تتجذر في تفاصيل المجالس والصناديق والوزارات، لكنها تشمل ايضا المكاتب اللبنانية والاقليمية والدولية للصناديق ومؤسسات التمويل الدولية. هذه الدولة العميقة لا تعمل من دون ظل من يقدر على فرض جدول الاعمال المركزي في الدولة من فوق. ولان التوزيع الطائفي تجاوز الحصص التنموية كما يفترض نظام الملل، فهو تركز على الفرق المنفذة، وهي جيش الاستشاريين والمقاولين والمتعهدين وتجار مواد البناء والاسفلت وحاجات البنى التحتية. انها مجموعة متعاونة بطريقة تجعلها اقرب الى مافيا متماسكة، تدار من قبل مجموعة باتت تحفظ عن ظهر قلب اليات اعداد المشاريع والتسعير والاقرار والتمويل، ولديها لائحة بالوان متنوعة تخص المستشار والاداري والمراقب والمشرع النيابي والوصي الحكومي، الى جانب مفاتيح المؤسسات الدولية، عدا عن مؤسسات الرقابة العاملة في لبنان. اليوم، يشهد لبنان فضيحة جديدة، هي من مسؤولية من بيده القرار في الحكومة، اكانت حكومة تصريف اعمال ام حكومة قائمة، وبيد المجلس النيابي، ادارة وكتلا نيابية ايضا، ومن مسؤولية المرجعيات المتنفذة في الطوائف والمناطق. وهي فضيحة لا يمكن استبعاد القضاء عنها، خصوصا ذلك القضاء الذي يصبح فجأة على علاقة عمل وامتيازات مع المقاولين والمتعهدين الذين يجدون المال والوقت لدعم متنفذين امنيين وقضاة في بناء مصالحهم ومنازلهم في اكثر من مكان. في لحظة انتشار الوباء وسيطرته على المناخ قتلا، فان وباء الفساد مستمر في الانتشار، ولعل من بيده الامر يتدخل قبل ان تتحول الصرخة الى ضربة تهدم الهيكل، واليوم، هناك مسؤولية رئيسية تقع على عاتق ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب، والعنوان: أوقفوا مجزرة التلزيمات، واعيدوا المناقصات بعد درس المشاريع من جديد.. والا فسيكون منصفا الاشارة اليكم كشركاء في هذه الجريمة!

(الأخبار)

لم تتأثّر الدولة العميقة بالأزمة الاقتصادية التي تفترس السكان، من انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار إلى فقدان الأدوية. شبكة المسؤولين والمقاولين التي تقوم عليها تلك الدولة ماضية في إنفاق القروض الدولية، وفق معايير المحاصصة والنفوذ، فيما يتكبد المواطن تسديدها بأضعاف قيمتها الأصلية بعد ارتفاع قيمة الدولار!
أخيراً، انتهى مجلس الإنماء والإعمار من إنجاز مناقصة تلزيم مشروع تأهيل عدد من الطرقات في المناطق كافة لعدد من المتعهدين النافذين. لكن الأمر ليس كافياً لإثارة الدهشة بين اللبنانيين المعتادين على توزيع مقدرات الدولة على المحظيين وأزلام السياسيين وشركائهم. إلا أن المشروع المموّل من البنك الدولي بموجب قرض ميسّر، سعّر بـ 200 مليون دولار (منها 45 مليوناً و400 ألف دولار كهبة) عام 2017 أي قبل انهيار سعر الصرف. انهارت قيمة الليرة أمام الدولار، لكن قيمة بدل أتعاب المتعهدين لم تتبدل! رخصت تكاليف أشغالهم، فيما زادت أرباحهم الصافية بما يفوق 300 في المئة.
تلك المناقصة تمت بموجب اتفاقية قرض واتفاقية تنفيذية وقّعت بين الجمهورية اللبنانية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير لتنفيذ مشروع «الطرقات والعمالة»، إثر محادثات جرت بين وزارتَي المالية والأشغال العامة والبنك بين 2016 و2017. تلك المحادثات أعقبت تكليف مجلس الإنماء والإعمار عام 2016 لكلية علوم النقل والسير في جامعة زغرب في كرواتيا «القيام بمهام إجراء مسح شامل لوضعية الطرقات في المناطق اللبنانية وتصنيف وترميز حالة كل طريق». الاتفاقية التي صادق عليها مجلس النواب في تشرين الأول 2018، قضت بتحويل 200 مليون دولار للحكومة ضمن قرض ميسّر لتنفيذ المشروع. بحسب نص الاتفاقية، يهدف المشروع إلى «إعادة تأهيل الطرقات وصيانتها وتحسين قدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ ومواجهة الظروف المناخية (...)»، علماً بأن المشروع جزء من برنامج تأهيل شبكة الطرق اللبنانية الذي تساهم في تمويله الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (100 مليون دولار) مع البنك الدولي (200 مليون دولار). وعليه، تصبح الكلفة الإجمالية للمشروع 500 مليون دولار قروضاً!

ما يُدفع بالعملة المحلية قد يصل الى اكثر من ٧٠ في المئة من كلفة المشاريع


بالنسبة إلى «الطرقات والعمالة»، يظهر كتاب موجّه من المجلس إلى مجلس الوزراء في حزيران 2019، تخصيص 185 مليون دولار لإعادة تأهيل الطرقات وصيانتها في مقابل سبعة ملايين و500 ألف دولار لتحسين قدرة وزارة الأشغال العامة والنقل للاستجابة لحالات الطوارئ على الطرقات وسبعة ملايين و500 ألف دولار أخرى لبناء القدرات ودعم التنفيذ. لكن التدقيق في توزيع كل مبلغ على حدة، يثير تساؤلات عن المعايير المتبعة في رمي تلك الملايين شمالاً ويميناً ووجهة استخدامها وتحديد الفئات المستهدفة والمستفيدة منها. وفي هذا الإطار، كان لافتاً في 16 تشرين الأول الماضي، صدور القانون الرقم 186 الذي عدّل الاتفاقية السابقة وأعاد هيكلة وتوزيع قيمة القرض والاتفاقية التنفيذية العائدة له. فقد اقتطع منه مبلغ عشرة ملايين دولار من المبالغ المرصودة للقرض وغير المعقودة، خصصت لدعم صغار المزارعين بمواجهة الوضع الاقتصادي وتداعيات فيروس كورونا عبر توفير مواد وأسمدة زراعية وشتول وبذور وعلف للحيوانات من خلال وزارة الزراعة.
الأعاجيب اللبنانية تتمظهر في اللائحة التي قدّمها «الإنماء والإعمار» لمجلس الوزراء للطرقات التي وجدها تستحق التأهيل وحدد كلفة تأهيلها. إذ ورد في الكتاب أنه «قد جرى تحديد الطرقات وفق الأولوية في كل قضاء»، لكنه لفت إلى أن «المشاريع غير مدروسة تفصيلياً، وبالتالي يتعذر حالياً تقدير كلفة تنفيذها بدقة. وفي حال حصول وفر بين التقديرات ومبالغ التلزيم، يصار الى دراسة طرق أخرى». على سبيل المثال، حدد المجلس كلفة تأهيل طريق العبدة ــــ عين الغزلان في عكار (طولها 39 كلم) بـ 14 مليوناً و100 ألف دولار أميركي. فيما تكلّف طريق يحمر ــــ قليا (طولها تسعة كيلومترات) في البقاع الغربي خمسة ملايين و100 ألف دولار أميركي. الطريق بين عيناتا ــــ بيت ياحون ــــ تبنين طولها أيضاً تسعة كيلومترات، لكنها ستكلف ثلاثة ملايين و100 ألف دولار. أما مجموع كلفة تأهيل طرقات صور، 11 مليون دولار في مقابل خمسة ملايين و300 ألف دولار كمجموع تكلفة طرقات مرجعيون و13 مليوناً و300 ألف دولار مجموع تأهيل طرقات النبطية. واللافت أن التأهيل سيطال مناطق حظيت سابقاً بمشاريع بنى تحتية ولا سيما بعد عدوان تموز 2006.
أنجز المجلس مناقصة تلزيم تلك الطرقات. لكن هل التزم بالمعايير التي تفرضها الاتفاقية في اختيار المتعهدين ودفتر الشروط؟ فقد خصص البنك الدولي ثمانية ملايين دولار لتقديم المساعدة التقنية لتصميم المشاريع الفرعية وتلزيمها والإشراف عليها في مقابل ثمانية ملايين لإعداد صكوك الإجراءات الوقائية للمشروع. إلا أن بعض المتعهدين الفائزين قد يكونون حائزين المعايير، لكنهم ليسوا بعيدين عن فلك المسؤولين وفي غالبيتهم يحظون بمعظم مشاريع الدولة السابقة التي شابتها مخالفات عدة. قبل فض العروض، كان معشر المقاولين يعلم مسبقاً هوية بعض زملائهم الفائزين بخلاف شروط الاتفاقية باختيار دفاتر شروط نموذجية وإعداد الوثائق الخاصة باستدراجات العروض. بعض المتعهدين الذين لم يشملهم نعيم «الطرقات والعمالة»، اتّهموا المجلس بـ»التلاعب بتحديد الكلفة التقديرية وعدم اعتماد الكلفة على أساس طول الطرقات، بل على قاعدة 6 و6 مكرر». هؤلاء لم يفوزوا بالمناقصة فحسب، بل أيضاً بأرباح طائلة قبل البدء بأية أشغال بسبب ارتفاع قيمة الدولار أمام الليرة. إذ تم وضع الأسعار قبل انهيار سعر صرف الليرة ولم تخضع للتعديل. مع ذلك، لا يترك المجلس وشركاؤه في البنك الدولي فرصة لتكديس ثروات المتعهدين على حساب المواطنين. إذ لحظ بند في الاتفاقية تخصيص 12 مليون دولار كتعويضات قد تنتج من تقلبات الأسعار. بينما تدفع قيمة الكشوفات بالدولار الأميركي وهي أصلاً كلفة مبالغ في تقديرها لمصلحة المتعهدين. في ظل الأزمة الحالية وشحّ الدولار، فإن الكلفة التقديرية وقيمة إرساء الصفقات ارتفعت قيمتها الفعلية 300 في المئة، كونها تدفع كدولارات طازجة (Fresh money)، بينما قد تصل الكلفة بالعملة المحلية للأشغال إلى أكثر من 70 في المئة (اليد العاملة والوقود والبحص والرمل والاسمنت...)، مع ما تتضمنه من اعتداء على البيئة نتيجة المرامل والمقالع والكسارات غير المرخصة التابعة لكبار المتعهدين.
الشبهات لا تحوم حول «الإنماء والإعمار» فقط، بل أيضاً حول فريق البنك الدولي في لبنان. هل يقوم بمراجعة موضوعية لتنفيذ بنود الاتفاقية أم يشارك أو يغضّ النظر عن ملفات التلزيم والصفقات والسمسرات؟