19 يوماً مضت على آخر زيارة قام بها الرئيس المُكلّف تأليف الحكومة، سعد الحريري، لقصر بعبدا، قبل أن يمنح المسؤولون في البلد أنفسهم «عطلة الثلج». مفاوضات التأليف مُتوقفة بطريقة توحي وكأنّ «المُستقبل» أمامهم ولهم، بما يسمح لهم بالتراخي في بتّ مسألة حسّاسة وأساسية لمحاولة فرملة الانهيار. سعد الحريري لم يعد يستعجل تأليف الحكومة، بعدما كان يُراهن على أن لا تستغرق التسمية والتشكيل أكثر من أيام قليلة. يتذرّع المُقرّبون منه بأنّ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبنان هذا الشهر «ستتضمّن طروحات جديدة». في ذلك، أولاً، تفاؤل مُبالغ به أن تحمل زيارة ماكرون مفتاح الحلّ، فيما «الفيتو» الحقيقي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية والسعودية والإمارات؛ وثانياً، «اعتراف» بأنّ العقدة خارجية ولا تُحلّ إلا بتدخّل القوى الغربية. فالحريري يُحاول بشكل دائم الفصل بين عدم القدرة على تأليف الحكومة والضغوط الإقليمية ــــ الدولية، وتصويرها مُجرّد خلاف بين «أولاد الحيّ» حول كيفية توزيع لاعبي كرة القدم في الفريق المحلّي. كلام المُقربّين منه ينفي ذلك، معطوفاً على التهديدات والمواقف العلنية التي يُطلقها المسؤولون الأميركيون والسعوديون، إضافة إلى الأداء الإماراتي، بأنّ أي حكومة تضمّ ممثلين عن حزب الله ــــ بشكل مباشر أو غير مباشر ــــ ستؤدّي إلى انهيار لبنان على رؤوس كلّ سكّانه. فهذه القوى التي كانت تُصوّر نفسها على أنّها «راعية وصديقة» لبنان، باتت تستخدم شعبه ومؤسساته «رهينة» عدائها مع حزب الله، حتى تُجبره على التنازل. والتنازل في عُرفهم لا يعني «كفّ شرّهم» عن البلد، بل «الطمع» أكثر فأكثر وفرض المزيد من الشروط واستمرار عملية الابتزاز حتى تأمين مصالحهم وأمن «إسرائيل» في المنطقة. بالإضافة إلى أنّ من السذاجة الاعتقاد والتسويق أنّ دولةً ضعيفة مثل الدولة اللبنانية، منزوعة السلطة والسيادة، ستتمكّن من إنتاج حكومة جديدة بطريقة «مُستقلة» ومعزولة عن التطورات الإقليمية والدولية.

لا شيء يمنع الحريري من تقديم تشكيلة حكومية إلى رئيس الجمهورية إلّا إدراكه أنّ تأليف الحكومة اللبنانية مضبوط على إيقاع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، التي تُمضي أسابيعها الأخيرة في الحُكم، لكنها تتصرّف كما لو أنّها في الفصل الأول من ولايتها. تصعيد ضدّ إيران والصين، تهديدات عسكرية، تسريع في توقيع اتفاقيات الشراكة الإسرائيلية ــــ الخليجية، التحضير لانقلابات جديدة في أميركا اللاتينية... ولبنان لا يغيب عن هذه «الأجندة العدائية». فليس صحيحاً أنّه «هامشي» بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، وأهميته تكمن فقط في كونه جزءاً من الملفّ الأكبر المُسمّى «تطويع إيران»، فواشنطن باتت تتعامل مع حزب الله كقوّة قائمة بذاتها، تعاظمت قدراتها القتالية بما بات يُشكّل قلقاً وجودياً لـ«إسرائيل». في السياق ذاته، تندرج ضغوط السعودية والإمارات، رُعاة الحريري (السابقون)، على لبنان. فهزيمة حزب الله هي أولوية هذه الدول. وفي طريقهم نحو «تحقيق» هدفهم، لا يُمانع السعوديون والإماراتيون إنزال العقاب الأقسى بحقّ اللبنانيين. ارتفعت حدّة المعركة، بعد توقيع اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والبحرين و«إسرائيل»، بمُباركة السعودية.
في مواجهة المشهد الإقليمي والدولي الخطير، يمرّ لبنان بواحدة من أسوأ أزماته المالية والنقدية، «قُدّر» له أن يخوضها بحكومة مُستقيلة حتى من ممارسة تصريف الأعمال بمعناه الضيّق، ورئيس حكومة مُكلّف يخاف اتخاذ أي قرار لا غطاء دولياً له، و«حزب مصرف» يُريد السطو على ما تبقّى من ممتلكات الدولة بعدما سرق أموال المودعين وراكم أرباحاً طائلة من الأموال العامة، وتُجار ومُحتكرين يستغلّون الأزمة ليبنوا فوقها قصورهم، وشعب بات أكثر من نصفه تحت خطّ الفقر ويُهدَّد اليوم بوقف الدعم عن السلع الرئيسية من دون إيجاد بديل. القوى الفاعلة في البلد غير مُتفقة على أي ملفّ. خلافاتها تحول دون البحث في حلول عملية للخروج من الأزمة، بل حتى هي غير قادرة على البحث في كيفية التخفيف من حدّة الانهيار، وإنقاذ الشعب، ولا سيّما الطبقات الاجتماعية التي لم تعد قادرة على الصمود.
ما الذي يُريده سعد الحريري؟ يُريد أن يبقى رئيس حكومة مُكلّفاً بانتظار «التعليمة» التي تسمح له بتقديم تشكيلته. قبل ذلك، لن يُقدم على أي خطوة «من شأنها أن تُبعده عن السرايا الحكومية»، على ما يقوله مُطّلعون على موقفه. يغيب عن بال الحريري أنّ رئاسة الحكومة ليست وظيفة لإتمام الصفقات وجني الأموال، بل «مسؤولية»، ومن يسعى إليها يقع عليه واجب المُبادرة وطرح حلول وتذليل العقد الداخلية الموجودة، لتمتين الجبهة المحلية، وفرضها على الولايات المتحدة والسعودية والإمارات. ولكن إذا كان الحريري يُصرّ على النأي بنفسه، فلا يُمكن إغفال أنّه في السرايا الحكومية لا يزال هناك «رئيس حكومة».

يخاف دياب أن يؤدي به أي قرار خارج «تصنيف الأعمال» إلى السجن من دون أن يُدافع عنه أحد

حالة الطوارئ المالية والصحية في البلد تستوجب السؤال عن سبب عدم مُبادرة حسّان دياب إلى تفعيل عمل حكومته وتوسيع مهمات تصريف الأعمال بهدف أساسي وهو تخفيف وطأة الأزمة. فالتمسّك بـ«تصريف الأعمال ضمن النطاق الضيّق» في مثل الوضع اللبناني، يعني تسريع الانهيار. يُنقل عن دياب تبريره بأن «لا أحد يدعمني»، وأيّ قرار يتخذه خارج مفهوم «تصريف الأعمال» قد يؤدّي به إلى السجن «من دون أن يُدافع عنه أحد». كما أنّ دياب «مهجوس» دائماً من الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية، «وديعة» سعد الحريري في السرايا، الذي يتصرّف كما لو أنّه «الدستور»، يُحدّد ما القرارات المُمكن اتخاذها، وتلك التي «تُعارض» تصريف الأعمال.

يُراهن الحريري على أن تحمل زيارة ماكرون للبنان هذا الشهر طروحات جديدة

ولكن على الرغم من «الطعنات» التي تعرّض لها دياب من «بيت أبيه»، وإجبار حكومته على الاستقالة على القاعدة أنّ «البديل جاهز»، وكلّ الأمور التي قد يذكرها ويكون مُحقّاً بها، إلا أن ذلك لا يُعفيه من تحمّل مسؤوليته. كما أنّ القوى التي كانت جُزءاً من حكومة دياب، وخاصة تلك التي عملت على إسقاطه وتحويله إلى «كبش فداء» المرحلة السابقة، مُطالبة بالتخفيف من وقع أخطائها السابقة عبر تفعيل عمل حكومة تصريف الأعمال، وصولاً إلى عقد اجتماعات تتخذ فيها قرارات مصيرية، ككيفية استمرار الدعم الموجّه إلى الطبقات الفقيرة، وإقرار استراتيجية الحماية الاجتماعية لرعايتها، وتوفير الخدمات الرئيسية لها... خلاف ذلك، لا ينفع انتظار تسلّم جو بايدن الرئاسة الأميركية، ولا التعويل على انفتاح أميركي ــــ إيراني. الانتظار يعني رهن البلد والمواطنين على طاولة القمار، لأنّ أصل العودة إلى العمل بالتفاهم النووي غير مضمونة. الاجتماع الذي دعا دياب إليه الوزراء المعنيين بمسألة الدعم، يوم الاثنين المقبل، قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح... شرط ألا يكون يتيماً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا