وفقاً لأحكام قانون السرية المصرفيّة الصادر في 3 أيلول سنة 1956، «تخضع لسر المهنة المصارف المؤسسة في لبنان على شكل شركات مغفلة والمصارف التي هي فروع لشركات أجنبية شرط أن تحصل هذه المصارف اللبنانية والأجنبية على موافقة خاصّة يعطيها وزير المال لهذه الغاية».

- ووفقاً لأحكام هذا القانون أيضاً فإن مديري ومستخدمي المصارف وكلّ من له اطّلاع بحكم صفته أو وظيفته بأية طريقة كانت على قيود الدفاتر والمعاملات والمراسلات المصرفية يلزمون بكتمان السر إطلاقاً لمصلحة زبائن هذه المصارف، ولا يجوز لهم إفشاء ما يعرفونه عن أسماء الزبائن وأموالهم والأمور المتعلّقة بهم لأيّ شخص فرداً كان أو سلطة عامة إدارية أو عسكرية أو قضائية، إلا إذا أذن لهم بذلك خطّياً صاحب الشأن... أو إذا نشأت دعوى تتعلق بمعاملة مصرفية بين المصارف وزبائنها أو بناء للطلبات التي توجهها السلطة القضائية في دعاوى الإثراء غير المشروع... أو سنداً لأحكام قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
- غير أنه، ووفقاً لأحكام هذا القانون أيضاً ولا سيما المادة 3 منه، يحقّ للمصارف... أن تفتح لزبائنها حسابات ودائع مرقمة لا يعرف أصحابها غير المدير القائم على إدارة المصرف أو وكيله، ولا تعلن هوية صاحب الحساب إلّا بالشروط المذكورة سابقاً.
يُستفاد من النصوص القانونية بأن السرية المصرفية تتوقف على توفر شروط ثلاثة:
- حصول المصارف على موافقة خاصّة من وزير المالية.
- اقتصار السرية على أسماء الزبائن وليس على حساباتهم المرقمة.
- عدم وجود طلب من السلطات القضائية أو هيئة التحقيق الخاصة.
وبرأينا، فإنّ قرار وزير المالية بمنح المصرف موافقة خاصّة على سر المهنة، هو من الأعمال الإدارية، والسلطة الإدارية لها حقّ باسترداد أعمالها، وهذا الحق مبنيّ على أن الإدارة كسائر الناس، لها الحق في أن ترجع عن رأيها وأن تصلح أخطاءها، وأن تبدّل في مقرّراتها إزاء وضع جديد أو عناصر جديدة، لأنّ أعمال السلطة الإدارية تتعلّق بالمصلحة العامّة التي تتعرّض للخلل لو فُرض على الإدارة أن تستمر في خطئها.
وحيث إن لبنان يعيش وضعاً جديداً يتمثّل في الإفلاس والانهيار الماليّ والنقديّ، وعجزاً متفاقماً في المالية العامة وخسائر كبيرة يعاني منها المصرف المركزي والمصارف التجارية، ووضع المصارف يدها على أموال المودعين، ويتمثّل هذا الوضع أيضاً بقرار الحكومة إجراء تدقيق جنائي في حسابات مصرف لبنان، فإنّه يحقّ لوزير المالية استرداد موافقته الممنوحة للمصارف بالسرية المهنية، إذا رفض مصرف لبنان والمصارف تنفيذ قرار الحكومة بالتدقيق الجنائي، الذي هو أصلاً لزوم ما لا يلزم، ذلك أن القانون منح وزارة المالية إجراء مثل هذا التدقيق. هذا بالإضافة إلى أنّ اجراء التدقيق الجنائي على الحسابات المرقمة التي يُجهل أصحابها لا يشكل خرقاً للسرية المصرفية كما أسلفنا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هناك جهة رسمية أولاها القانون مهمّة التدقيق في حسابات المال العام وهي ديوان المحاسبة، فهو مؤسّسة دستورية مهمّتها السهر على الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة وذلك:
- بمراقبة استعمال هذه الأموال ومدى انطباق هذا الاستعمال على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
- بالفصل في صحة وقانونية معاملاتها وحساباتها.
- بمحاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين والأنظمة المتعلقة بها.
وقد أخضع القانون لرقابة ديوان المحاسبة إدارات الدولة ومن بينها وزارة المالية.
وتتناول رقابة ديوان المحاسبة على الحسابات في ما يتعلّق بواردات الدولة صحّة المستندات التي تم التحصيل بموجبها، صحة التحصيلات وانطباقها على قوانين الجباية، وتوريد المبالغ المحصلة إلى الصناديق العامة. وتتناول الرقابة في ما يتعلق بنفقات الدولة صحّة المستندات التي جرى الدفع بموجبها وانطباق المعاملة على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء وعلى الموازنة والاعتمادات المفتوحة بموجبها، ووجود الأوراق المثبتة للنفقة كما حدّدها القانون.
كما تتناول الرقابة على الحسابات أيضاً في ما يتعلق بمقبوضات الخزينة ومدفوعاتها: صحّة معاملات القبض والدفع وانطباقها على الأوامر الصادرة عن الجهة الصالحة.

من واجب ديوان المحاسبة وصلاحيّاته التدقيق في عمليات مصرف لبنان


لقد أوجب قانون المحاسبة العمومية على وزارة المالية أن تضع كل سنة قطع حساب الموازنة وحساب المهمة وتقديمها إلى ديوان المحاسبة قبل 15 آب وقبل أول أيلول من السنة التي تلي سنة الحساب، ويتضمّن قطع الحساب واردات الدولة ونفقاتها خلال السنة، كما يتضمن حساب المهمة العام والعمليات المالية للدولة كافة، أي الواردات والنفقات ونتائج السنة المالية (الوفر أو العجز) وحسابات القروض (سندات الدين العام وغيرها من القروض) وحسابات الغير (الذمم المدينة والدائنة) وحسابات الصندوق وحسابات المصرف (المصرف المركزي وحساب الخزينة لدى المصرف المركزي).
إنّ قطع الحساب وحساب المهمة يحدّدان الوضع أو المركز المالي للدولة من جميع الجوانب.
لذلك فإنّ ديوان المحاسبة هو المؤسسة الدستورية القانونية، وهو مدقّق الحسابات الخارجي، والمستقلّ عن السلطتَين التشريعيّة والتنفيذيّة في ما يتعلق بالرقابة على المال العام، فقد أولاه الدستور والقانون وحده، صلاحية وسلطة الرقابة على المال العام. والغاية من رقابة ديوان المحاسبة (وفقاً لقانون إنشاء الديوان):
البتّ في صحة الحسابات وحسابات المحتسبين وأي شخص يتدخل في قبض الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة أو في دفعها من دون أن تكون له الصفة القانونية.
خلاصة القول أنه بما أن حسابات الدولة تتضمن الإيرادات والنفقات والقروض وسندات الخزينة. وبما أن إيرادات الدولة تتضمن حصة الدولة من أرباح مصرف لبنان بما فيها أرباح الذهب والقطع. وبما أن إيرادات الدولة تتضمن حصة الدولة من خسائر مصرف لبنان كما هي محددة في حساب الأرباح والخسائر للمصرف. وبما أن نفقات الدولة تتضمن خدمة الدين العام أي فوائد سندات الخزينة، وبما أن مصرف لبنان هو من أشخاص الحق العام المكتتب بسندات الخزينة، وبما أن مصرف لبنان هو الذي يحتسب فوائد الدين العام ويدفعها إلى حملة السندات، وبما أنه يتوجب إيداع جميع الأموال العمومية في الحساب المفتوح لدى مصرف لبنان باسم الخزينة العامة...
لجميع ما تقدّم، فإنّ من صلاحيات ومسؤوليات وواجبات ديوان المحاسبة التدقيق في العمليات المالية المذكورة أعلاه، سواء لدى وزارة المالية أو لدى مصرف لبنان، أو حتى لدى أيّ شخص تدخّل في قبض الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة أو في دفعها بدون أن تكون له الصفة القانونية، ولا يمكن لأيّ كان، وزير المالية أو حاكم مصرف لبنان أو المجلس المركزي لمصرف لبنان التذرّع بالسرية المصرفية لمنع ديوان المحاسبة من القيام بالتدقيق الذي يراه مناسباً للتثبّت من صحة المعاملات والحسابات المالية للدولة، سواء أكان تدقيقاً محاسبياً أم مالياً أم جنائياً...
أما بالنسبة إلى القضاء العدلي فإنّ النيابة العامة المالية تتولّى النظر في الجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفية والمؤسسات المالية والبورصة، ولا سيما المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف. والجرائم التي تنال من مكانة الدولة المالية أو السندات المصرفيّة اللبنانيّة أو الأجنبية المتداوَلة شرعاً أو عرفاً في لبنان وجرائم اختلاس الأموال العمومية.
للنائب العام المالي أن يستعين بالاختصاصيين في الشؤون المصرفية والضريبية والمالية.
بناءً لكل ما تقدم، فإنّ من الثابت أن التدقيق المحاسبي والمالي والجنائي هو موجب دستوري وقانوني، وهو من صلاحيات وواجبات ومسؤوليات كلّ من وزارة المالية وديوان المحاسبة والقضاء العدلي، ومن ثم فإنّ قرار الحكومة بإجراء التدقيق كان خطأ قانونياً، وإبرام عقد مع شركة تدقيق خاصة كان خطيئته.
وعليه يقتضي العودة إلى الأصول والقواعد التي أرساها الدستور والقانون لحماية الأموال العمومية.
بصراحة: لبنان بحاجة إلى قرار مالي، رقابي، قضائي شجاع وجريء.

* النقيب السابق لخبراء المحاسبة
* مدير المحاسبة العامة السابق في وزارة المالية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا