في 31 آب 2020، جرى توقيع اتفاقية بين الجمهورية اللبنانية، ممثلة بوزارة المالية، وشركة «الفاريز اند مارسال» تلتزم بموجبه الشركة بتقديم الخدمات الاستشارية والمشورة التي تطلبها وزارة المالية، وتلتزم كذلك بتقديم تقرير عن نتائج التدقيق الجنائي لأنشطة مصرف لبنان وحساباته.

تبين من نطاق التدقيق الجنائي الملزم لشركة «الفاريز» أن هدفه تحديد أسباب الخسائر المالية اللاحقة بمصرف لبنان وتحديد المسؤول عنها.
لقد رفض مصرف لبنان التعاون مع الشركة المكلفة بالتدقيق الجنائي متذرّعاً بالسرية المصرفية.
لذلك فإن السؤال الذي يقتضي الإجابة عنه من قبل المسؤولين عن إدارة وحفظ المال العام هو: هل كان من الضروري إجراء التدقيق الجنائي بقرار واتفاق مع جهة خاصة، أي بقرار من مجلس الوزراء وبعقد بين الجمهورية اللبنانية، ممثلة بوزارة المالية، وشركة التدقيق الخاصة الفاريز؟
الجواب قطعاً بالنفي، ذلك أن إجراء التدقيق الجنائي متاح بموجب القوانين اللبنانية السارية المفعول ومن قبل أجهزة الدولة الرسمية. كيف ذلك؟ فلنعد الى القانون والإدارة العامة لنرى الجواب الشافي.
حدد قانون المحاسبة العمومية أصول إدارة الأموال العمومية، والأموال المودعة في الخزينة وعرّف الأموال العمومية بأنها هي أموال الدولة، والبلديات، والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو البلديات، وأموال سائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية. وقد أناط القانون بوزارة المالية إدارة الأموال العمومية وحفظها وتولي شؤون الموازنة والخزينة والنقد وكل ما تنيطه بها القوانين والأنظمة.
بموجب قانون النقد والتسليف، أنشئ المصرف المركزي وهو شخص معنوي من القانون العام ويتمتع بالاستقلال المالي.
لقد أخضع قانون النقد والتسليف المصرف المركزي لمراقبة وزارة المالية، ولهذه الغاية نصّ القانون على أن تنشأ في وزارة المالية مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي، ويدير هذه المصلحة موظف برتبة مدير عام يحمل لقب «مفوض الحكومة لدى المصرف المركزي». ويكلف المفوض:
ــــ السهر على تطبيق قانون النقد والتسليف
ــــ مراقبة محاسبة المصرف
وفقاً لنص المادة 44 من قانون النقد والتسليف، فإن للمفوض ولمساعده حق الاطلاع على جميع سجلات المصرف المركزي ومستنداته المحاسبية، باستثناء حسابات وملفات الغير الذين تحميهم سرية المصارف المنشأة بقانون 3 أيلول 1956.
المفوض ومساعده يدققان في صناديق المصرف المركزي وموجوداته.
يطلع المفوض وزير المالية والمجلس، دورياً، على أعمال المراقبة التي أجراها، كما يطلع وزير المالية بعد قفل كل سنة مالية على المهمة التي قام بها خلال السنة المنصرمة، بموجب تقرير يرسل نسخة منه الى الحاكم.
أوجب قانون النقد والتسليف على حاكم مصرف لبنان أن يقدم لوزير المالية قبل 30 حزيران من كل سنة الميزانية وحساب الأرباح والخسائر عن السنة المنتهية، وتقريراً عن عمليات المصرف خلالها. ينشر الميزانية والتقرير في الجريدة الرسمية خلال الشهر الذي يلي تقديمها لوزير المالية، وينشر بيان وضع موجز كل 15 يوماً.
ــــ وفقاً لقانون النقد والتسليف، فإن الربح الصافي للمصرف المركزي يتألف من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء والاستهلاكات وسائر المؤونات. ويقيد 50% من هذا الربح الصافي في حساب المصرف المركزي ويدعى «الاحتياط العام» ويدفع 50% الى الخزينة. وعندما يبلغ الاحتياط العام نصف رأسمال المصرف، يوزع الربح الصافي بنسبة 20%.
ــــ وفقاً لقانون النقد والتسليف (المادة 115 منه) يفتح باسم الخزينة حساب خاص تقيّد فيه:
ــــ الفروق بين ما يوازي موجودات المصرف من ذهب وعملات أجنبية بالسعر القانوني وبين السعر الفعلي لشراء أو بيع هذه الموجودات.
ــــ الأرباح أو الخسائر الناتجة، في موجودات المصرف من ذهب وعملات أجنبية، عن تعديل سعر الليرة اللبنانية القانوني أو سعر إحدى العملات الأجنبية.

السرية المصرفية لا تتعارض مع حق وزارة المالية الرقابة على المصرف المركزي


يستفاد من النصوص القانونية المذكورة أعلاه أن المشترع منح وزارة المالية حق الرقابة على مصرف لبنان ويشمل نطاق الرقابة ما يأتي:
1ــــ السهر على تطبيق قانون النقد والتسليف من كل نواحيه
2ــــ إن الرقابة، كما هي مبيّنة أعلاه، هي واجب على وزارة المالية أن تقوم به، ولا علاقة لشكل ومضمون هذه الرقابة بالسرية المصرفية، ولا يمكن لمصرف لبنان التذرع بالسرية المصرفية لمنع قيام وزارة المالية برقابتها القانونية والمالية على المصرف. فهذه الرقابة فرضها القانون بشقّيها التدقيق المحاسبي والتدقيق الجنائي، وفقاً لما هو ثابت في قواعد التدقيق اللبنانية والدولية. وهذه الرقابة تتّصف بالثبات والاستمرارية بحكم القانون، وليست بحاجة الى قرار من السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) أو من وزير المالية، فهي واجب مفروض بحكم القانون.
يتذرع حاكم مصرف لبنان بالمادتين 44 و51 من قانون النقد والتسليف لعدم التعاون في سياق التدقيق الجنائي.
فوفقاً للمادة 44، لمفوض الحكومة لدى مصرف لبنان ولمساعده حق الاطلاع على جميع سجلات المصرف المركزي ومستنداته المحاسبية، باستثناء حسابات وملفات الغير الذين تحميهم سرية المصارف المنشأة بقانون 3 أيلول سنة 1956.
ووفقاً لأحكام المادة 51 من هذا القانون، فقد فرض على كل شخص ينتمي الى المصرف المركزي، بأية صفة كانت، أن يكتم السر المنشأ بقانون 3 أيلول 1956، ويشتمل هذا الموجب على جميع المعلومات وجميع الوقائع التي تتعلق ليس فقط بزبائن المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية، وإنما أيضاً بجميع المؤسسات المذكورة نفسها والتي يكون قد اطّلع عليها بانتمائه الى المصرف المركزي. إن المادتين المذكورتين أعلاه، هما من أحكام قانون النقد والتسليف، وتطبيقهما خاضع لرقابة وزارة المالية بحكم القانون ذاته، ولا سيما المادة 42 منه التي فرضت على مفوض الحكومة السهر على تطبيق قانون النقد والتسليف.
وعليه، لا يحقّ لمصرف لبنان التذرّع بالسرية المصرفية لحجب أي معلومات عن وزارة المالية عند قيامها بأعمال الرقابة على المصرف.

* النقيب السابق لخبراء المحاسبة
* مدير المحاسبة العامة السابق في وزارة المالية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا