17 تشرين الأول 2019، فرصة؛ أو الأصحّ القول إنها فرصة أخرى ضائعة. يوم نزل لبنانيون الى الشارع احتجاجاً على فرض ضريبة على تطبيق «واتساب» بقيمة 6 دولارات شهرياً، كان جلّ ما يطلبه المتجمهرون في شارع الحمرا التراجع عن هذا القرار. حراك عفويّ قوامه شبان غاضبون من المسّ بمساحة تواصلهم و«فشة خلقهم»، تطوّر الى سخط شعبيّ عام لتوسيع رزمة مطالب مواكبة للانهيار الحاصل. لم يكن الأمر شبيهاً بحراك 2011 أو 2015 تقوده أحزاب ومجموعات معروفة، وإلا لسقط مباشرة كسابقَيه. لكن لأن «الناس» تحركوا فعلاً، كانت وطأة الصدمة كبيرة على السياسيين والمجموعات المدنية على حدّ سواء. سار الفريقان بالتوازي؛ دخلت المجموعات الى الحراك كجزء من هذا النسيج، واندسّت بعض الأحزاب علانية وسرّاً داخله. سهّلت حماسة المناطق عمل الطرفين، فيما كانت لامركزية التحركات سرّ نجاح الانتفاضة في الوقت عينه. وما إن انكفأت صيدا وصور وكفررمان والنبطية وجلّ الديب وأنطلياس والزوق وطرابلس وحلبا، حتى انطفأت شعلة «الثورة» تدريجاً. هؤلاء كانوا نبض الشارع ووجهه الحقيقي الذي استبدل لاحقاً بمجموعات نمت وتكاثرت حتى بات لكل فرد مجموعته التي لا تمثل عائلته الصغيرة حتى، أو العكس. ففي بعض الأحيان، تحوّل الأمر الى ما يشبه برنامج «ستار أكاديمي»: الكل يجرب حظه، حتى من لا يملك حدّاً أدنى من الصوت الجميل والموهبة، إلا بنظر والده ووالدته. انتقلت عدوى «العظمة» من الحكومة والبرلمان والبيوتات السياسية الى وسط بيروت. لذلك، تعذّر إنتاج قيادات حقيقية للشارع، لا وفق الذريعة إياها عن أن «القيادة تقتل الثورة». ما حصل فعلاً أن غياب القيادة والبرنامج الاقتصادي المالي الاجتماعي السياسي والمطالب الواضحة والواقعية (أو غير الواقعية أيضاً)، أضاع بوصلة المتظاهرين، فعادوا الى منازلهم ومنهم من عاد أكثر تمسكاً بحزبه.

من يتحمّل مسؤولية هذا السقوط؟ ومن الذي يأخذ على عاتقه قتل حلم الانقلاب على النظام القائم؟ المجموعات طبعاً. ثمّة من لا يزال يعيش حالة النكران، متحدّثاً عن إمكانية إشعال الشارع متى افترض أحد قادة المجموعات أن صوته مسموع بين الناس أكثر من الصدى الذي يخلفه خطابه أمام مرآة غرفته. فهناك من لا يعدّ اليوم سوى الأصوات التي من الممكن أن يحصدها في انتخابات نيابية مفترضة، سيظلّ القائمون على الحكم يؤجّلونها تماماً كما أجّلت 5 سنوات سابقاً، متى أحسّوا أن الوضع الشعبي لا يلائمهم. ومتى سئل عن برنامجه للحدّ من الانهيار، عن رأيه بخطة التعافي المالي الحكومية، بقرارات حاكم مصرف لبنان التي تخنق المواطنين، عن النظام الاقتصادي الاحتكاري، عن كل المسائل التي تعني أي مواطن في أي بقعة من العالم اليوم، يجيبك أن هذه تفاصيل نصيغها عندما نتسلّم الحكم. للوهلة الأولى، تبدو بعض المجموعات بمثابة نسخة رديئة عن الأحزاب الحاكمة، مع فارق بسيط أن للأحزاب برامجها ورؤيتها وارتباطاتها وأجنداتها الواضحة. والأحزاب عادة هي التي تقود الانتفاضات والانقلابات، لا مجموعات يتخبط أعضاؤها في ما بينهم ومع المجموعات الأخرى. فتلك يمكنها على الأكثر قيادة حلقة يوغا على جسر الرينغ، أو أفواج الطناجر وأخواتها. ثمة شحّ في الحياة السياسية، شحّ أحزاب وبرامج، عجزت المجموعات عن ملئه. رغم أن الفئة التي انكفأت منذ سنين عن الانتخاب، تفاعلت للمرة الأولى منذ عام ونزلت الى الشارع جراء المسّ بمصالحها وأسلوب حياتها. إلا أنها عادت وتوارت مرة أخرى لعدم وجود بديل جدّي يقنعها، ولأن جزءاً من الناشطين اختار تحوير هذه الانتفاضة لمصلحة مآربه الخاصة، وبات صوته طاغياً على ما عدا غيره من أصوات.

المجموعات لم تر ضرورة لتقييم فشلها أو الاعتراف به أو أقلّه مصارحة الذين وثقوا بها


في الأشهر الأخيرة، بات الحراك ممثلاً بنحو 10 موتورين يحدّدون بأنفسهم من هو الخائن والفاسد، ومن النظيف والمحظي. تماماً كما آثر البعض وسم الثورة بالـ«هيلا هو» لتوجيهها ضد فريق واحد من دون غيره. جرى الأمر وفق معايير وأجندات مشكوك بها ولا تمثل إلا أصحابها، لكن غياب الأحزاب الحديثة الولادة سمح لهؤلاء بقيادة الشارع وإفقاده صدقيّته وتغليب شعاراتهم على برامج العمل الحقيقية. صار الكيل بمكيالين ميزة، ومن ينتقد أداء أي «ثائر» عميلٌ للسلطة. حتى إن البعض انطلق الى تعريف جديد عند حديثهم عن شخص ما، فإما هو «معنا بالثورة» أو «زبالة». تجري الغربلة هنا وفق تفصيل دقيق: مع «14 آذار» إذاً «كلاس» وثورجي بالفطرة، مع 8 آذار يعني «شرشوح». ومنذ مدة استعيدت عبارات ثورة الأرز في نقاشات المجموعات، كالتركيز على أن البلد مخطوف وأن الانهيار المالي وفقدان الدولارات سببها حزب الله وأن مليارات الكهرباء سببها جبران باسيل والعهد. يخرج سمير جعجع ليعلن قيادته الثورة ويعطي التعليمات ويخطف التحرك، فلا يجد ولو «ناشطاً» واحداً يردّ عليه ويقيم الدنيا على وسائل التواصل لساعات فقط. أما لو كان هذا الكلام صادراً عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أو رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أو رئيس الجمهورية ميشال عون أو أي عوني في أي جرد من جرود الجبل أو البقاع، لكانت ضجّت حسابات «الثوار» لأيام شماتة به مع رزمة شتائم بالطبع. يمكن وليد جنبلاط أن يطلق العنان لنفسه للتحدث من دون مواربة عن «الثورة» وعمّا يتمنّاه. لن يجد من ينتقده، بل سيجد من يرفعه على الأكف، فيما يحيّي الجماهير من سيارته الفارهة. ويمكن لجماهير تيار المستقبل التفنّن في شتم النساء في إحدى المسيرات من دون أن يلاقوا من يرفع الصوت بوجههم. كل هذا مشروع، فثورة البعض لم تكن يوماً ضدّ هؤلاء، لا ضدّ «الترويكا» ولا ضدّ الحريرية الاقتصادية ولا ضدّ سرقة المال العام أو ودائع الناس. البعض انتفضوا حصراً لأنّ «البلد مخطوف»، والخاطفون تحدّدهم الجهات الداعمة. صمت المجموعات عن هذه الإساءة لتحركها وجهودها قبل الناس التي لبت دعوات لاحقة منها لملاقاتها الى الشارع، قاد الى عدم الثقة بها. شعار «كلّن يعني كلّن» كان مجرد واجهة براقة للحشد. المفارقة أن الحشود تفرقت عندما اكتشفت زيف هذا الشعار، ولأسباب أخرى طبعاً. فهي سريعاً أيقنت أن مطالبها لا تعني الغالبية، فيصبح الاعتصام أمام مصرف لبنان عنواناً مفرقاً، وتكسير المصارف التي سرقت أموال الناس عمل همجي ومستنكر، في حين أنّ قطع الحزبيّين للطرقات على المواطنين العزّل قمة الديموقراطية. المجموعات المنشغلة بنا، نحن الصحافيين، إن أخطأنا عرَضاً في التعريف عن «درابزين» نتيجة مئات الدرابزينات التي نمت في خلال أشهر من دون فائدة، لم تر ضرورة لتقييم فشلها أو الاعتراف به أو أقلّه مصارحة الذين وثقوا بها. لماذا عجزت الغالبية عن إنتاج برنامج سياسي واضح أو الانتقال الى تشكيل حزب سياسي ينافس الأحزاب البالية؟ لماذا غاب الناشطون عند الحاجة إليهم في ملفات حيوية تناقشها السلطة كمصير البلد الاقتصادي ووجهته المالية؟ في الذكرى الأولى للفرصة الضائعة، على أحد ما أن يخرج ليصارح من أعطوه الثقة من خارج أيّ استحقاق انتخابي، أن 17 تشرين باتت مجرد ذكرى سنوية جميلة، وأن المجموعات نفسها تعيش على «النوستالجيا»، فوجدت ما يمكن فعله اليوم، «احتفالاً بالذكرى»، ولكنه سيتعذّر عليها أن تجد نشاطاً أو عنواناً واحداً يُنزلها الى الشارع في 18 تشرين الأول 2020.


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا