لحظة اندلاع انتفاضة 17 تشرين، انضمّ جزء من جمهور تيار «المستقبل» إلى الساحات، كغيره من جماهير الأحزاب. كانت لحظة انساق فيها الجميع لاإراديّاً نحو التغيير من دون أن يُقيم وزناً للخلافات السياسية والطائفية والمذهبية. ومع تركيز الشعارات والأهداف في اتجاه أطراف معيّنة في ما بعد، بدا هذا الجمهور الأكثر تأثّراً، إذ شعر بأنها فرصة الانقلاب على التسوية السياسية مع «العهد».



وحين بدأ الشارع يفرز نفسه، وذهبت كل مجموعة في طريقها الى توظيف التحركات ضد خصمها في السلطة، أخذ هذا الجمهور لنفسه موقعاً خاصاً، معتبراً أن «الثورة» هي ضد ميشال عون وجبران باسيل، فحسب. غزت الاحتجاجات مناطق للتيار الأزرق نفوذ فيها، وكان جمهوره من أكثر المجموعات التي كانت تأتي من الأطراف في اتجاه وسط بيروت لرفع الصوت، مطالبة بإسقاط الحكومة التي يرأسها سعد الحريري نفسه. لم تكُن هتافاتهم موجهة ضدّه، بقدر ما كانَت موجهة ضد الحكومة التي لطالما اعتبروا أنها حكومة باسيل وحزب الله، وهي الحكومة التي يرون أنها همّشت موقع الرئاسة الثالثة وطائفة بأكملها!
التظاهرات التي انطلقت من طرابلس وعكار والبقاع وصيدا، كانت من أكثر التحركات قوة، وقد ضمّت وجوهاً وناشطين معروفين بقربهم من «المستقبل». كلهم كانوا يريدون إسقاط العهد وحلفائه كما إسقاط الحكومة لا رئيسها، وقد ظنّوا بأنّ الحراك هو لمصلحتهم وأنسب توقيت لإضعاف التيار الوطني الحر وحزب الله.
أما الحريري الذي استقال بعد حوالى أسبوعين من بدء التحرك، فصّدق أنه صار بين ليلة وضحاها «مفوّض الثورة لدى السلطة»، يتحدث باسمها ويطالب القوى السياسية علناً بالاستماع الى مطالب الناس وتنفيذ ما يريدونه. أما ضمنياً، فقد استغلّ الحريري التحركات لفكّ تحالفه العميق مع باسيل وفسخ التسوية، مستغلاً عاطفة جمهوره لتحسين موقعه وفرض شروطه.
استغلّ الحريري التحرّكات الشعبيّة لتحسين موقعه وفرض شروطه


الحريري وجمهوره في الأشهر الأولى بعد الانتفاضة كانا يحاربان على جبهتين: الأولى ضد عون وباسيل، والثانية داخل الطائفة السنية، حيث «المزايدون» كثر. وهي جبهة مزمنة شكلت الخاصرة الرخوة للحريري منذ انتخابه عون، وضمّت رؤساء الحكومات السابقين وشخصيات أخرى مثل الوزيرين السابقين نهاد المشنوق وأشرف ريفي. لذا كان واضحاً تحريك هذا الجمهور في محطات معينة وفي مناطق محددة، وتحديداً في أوقات المشاورات لتأليف حكومة جديدة أو تسمية شخصيّة سنيّة بديلة من الحريري. وبتحريك هذا الشارع، طار الوزير محمد الصفدي ومن بعده سمير الخطيب، اللذان كانا مرشحَين لتشكيل الحكومة بغطاء من الحريري نفسه، ليتبيّن في ما بعد أن هذا الغطاء ليس سوى مناورة من رئيس تيار «المستقبل» لدفع القوى السياسية للتسليم به كقائد وحيد للسنّة.
وما جعل الانتفاضة تكتسب أهميةً إضافيّة بالنسبة الى الحريري، أنها مثّلت بالنسبة إليه أولاً باباً للهروب من المسؤوليّة، كرمز من رموز الفساد، بعدما صار مهداف «الانتفاضة» موجّهاً بصورة شبه حصرية صوب جبران باسيل وحزب الله. وثانياً باباً آخر للعودة الى السلطة «منقذاً»… لكن هذه المرة وحيداً من دون شركاء!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا