على جسر «الرينغ»، في تلك الليلة من 17 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، كانت مجموعة شبان تحتجّ على رزمة الضرائب التي فرضتها الحكومة، وعلى رأسها ضريبة «الواتساب». وجوه يملؤها اليأس والغضب، تتنقل بين أركان الجسر البيروتي، وتنادي الناس في البيوت للانضمام إليها، وإعلان الانتفاض على السلطة الحاكمة. كانت البرمجة الخريفيّة وقتها تطغى على الشاشات. أخذ بعضها ينقل الحدث على الجسر، وكلّه يقين بأنّه موجة مؤقتة ستخمد مع تقدّم الساعات كما حصل قبلاً. فشل الرهان، وتضخّمت الأعداد التي نزلت إلى الشارع في تلك الليلة، وعمّت المناطق اللبنانية. ساهمت في ذلك، حادثة إطلاق النار من سيارة مرافقي النائب الاشتراكي أكرم شهيّب، ومحاولة ترهيب المحتجّين في وسط بيروت، تبعته صورة للشابة ملاك علوية، تركل بكلّ ثقة وقوة عنصراً أمنياً شاهراً سلاحه. كانت لحظة رمزية، اختزلت ما سيؤول إليه المشهد لاحقاً، من سقوط المحرمات وإعلاء الصوت للمرة الأولى في وجه الزعماء السياسيين وكسر جدران الخوف، إلى جانب ركل المعتصمين لانتماءاتهم السياسية والطائفية، واجتماعهم تحت لواء القهر والفقر.

ديانا رزق - لبنان

هكذا، اضطرت القنوات إلى التغطية وفتح الهواء مع الرهان مجدّداً على انتهاء الحراك الشعبي، والاستمرار بالوضع الراهن، لا سيما بعد طلب سعد الحريري إعطاءه مدة 72 ساعة لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور. من يتابع حركة القنوات لا سيما «الجديد» وmtv وlbci التي تصدّرت وقتها تلك التظاهرات، يرى بوضوح المشهد الزئبقي الذي اتّسمت به، وتغيير جلدها تماشياً مع الأجندات السياسية. قناة «المرّ» على سبيل المثال، أوقفت تغطيتها بعد ساعات قليلة على اندلاع المظاهرات، وأعطت الهواء لمارسيل غانم، الذي أفرد حلقته لاستضافة كبار الساسة والنواب وباقي الشخصيات المنبوذة من الشارع. وفّر لها مساحة على الشاشة، لنضحي بعد أيام قليلة أمام غانم جديد صار يتحدث عن «فجور السياسيين»، ويرتدي ألوان «الثورة»، ويتحدث باسم الجياع والناس المقهورين! هذا على شاشة «المرّ»، أما على «الجديد» فقصة ثانية. بدأت المحطة مبكراً بفرض أجندتها التي كانت مكشوفة هذه المرة. بعد أيام قليلة على ليلة 17 تشرين، أعادت المحطّة تموضعها وراحت تصوّب على خطاب أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله. ضمن نشرة أخبارها في تلك الليلة، هاتفت وليد جنبلاط ليردّ على مضمون الخطاب. لم تكتفِ بهذا القدر، إذ ساهمت في العمل مع غيرها من القنوات على شيطنة مضمون الخطاب، ووضع «حزب الله» في وجه حركة الشارع الغاضب، وكتم أيّ صوت في تلك التظاهرات يتفوّه باسم «حزب الله»، أو السيد حسن نصر الله، لنضحي أمام معادلة «الحراك مقابل حزب الله». هكذا، كبرت كرة الثلج في ما بعد، وعُمل على إسقاط صورة و«هالة» نصر الله كما بات معلناً. تجلّى هذا الأمر في الإعلام السعودي أولاً، وفي الفيديو الشهير الذي نشره «النادي العلماني» في «الجامعة الأميركية في بيروت» الذي دعا فيه نصر الله إلى الرحيل! مشهد زاد التوتر في الشارع، وقسم المتظاهرين، ورسم الحدود المناطقية والجغرافية في ما بينهم، وصوّر الأمر على أنهما شارعان مقابل بعضهما، واحد يحاول حماية السلطة الفاسدة، والآخر ينتفض عليها، فيما الواقع يشي بانقسام عامودي وخوف شارع من استهداف المقاومة، وتذويبها في شعارات «الثورة». زاد الطين بلّة، ما شهدناه من تصعيد، قادتْهُ «الجديد» مجدّداً، إذ حمّلت للمرة الأولى «حزب الله» مسؤولية المضايقات التي يتعرّض لها مراسلوها على هواتفهم الخاصة واتّهمته بالتواطؤ، ما أشعل الجبهات وأغضب جمهور المقاومة الذي تتكئ عليه المحطة في العادة... إلى أن قطفت قناة lbci، هذه اللحظة بذكاء ملحوظ. هكذا، سُمح لها بدخول الضاحية، ومواكبة المسيرات الداعمة لـ«حزب الله»، وفتح الهواء ساعات لهذا الحدث، مع تسجيل غياب «الجديد» المغضوب عليها من قِبل هذا الجمهور.
أضحى «حزب المصارف» ورياض سلامة خطاً أحمر لا تقربه القنوات


في المشهد المقابل، كنّا أمام تمترس إعلامي للقنوات المشاركة أحزابها في السلطة. برزت في هذا المجال، قناة otv، التي لم تنتظر طويلاً حتى تقوقعت على ذاتها، وأبلست الحراك. حتى إنّها انفصلت عن واقع التظاهرات في كثير من الأحيان واستكملت برمجتها المعتادة كأنّ شيئاً لا يحصل في البلاد. وكانت القناة البرتقالية، قد أخفت اللوغو الخاص بها، خوفاً من اصطياد مراسليها في الشارع والهجوم عليهم، مع تصاعد النقمة على الفريق العوني، على رأسه وزير الخارجية السابق جبران باسيل. ومع ذلك، نال هؤلاء نصيبهم من التحريض والهجوم والشتائم.
وفي مقلب قنوات «الثورة» التي كُنيّت بهذا الاسم، فيما يندرج جلّها ضمن الإعلام الحزبي والفئوي والطائفي، فقد امتطت هذه المنابر سريعاً شعارات المنتفضين، وأحكمت لغتها المهاجمة للطبقة السياسية، ونفضت عنها أدران الفساد الذي يتحكّم بسياستها، وراحت تفتح هواءها لأكثر من 16 ساعة يومياً للمعتصمين في الساحات، مع مداخلات عشوائية من دون فتح باب للنقاش العقلاني حول الحراك. فقد اتكأت على لغة العاطفة والتجييش مقابل تغييب الوجوه السياسية والاستعاضة عنها بحفنة من المحللين. أمر لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما عادت هذه القنوات إلى بيت الطاعة على دفعات، فاستضافت سياسيين وأغفلت التظاهرات التي احتشدت أمام «المصرف المركزي»، والتحركات الشعبية التي وجدت بوصلتها في المؤسسات الرسمية والمرافق العامة المتّهمة بالهدر والفساد.
محطات طبعت تظاهرات 17 تشرين، أبرزها استقالة سعد الحريري التي شكلت مفصلاً هاماً، ظهّرت الازدواجية التي تتعاطى بها قنوات «الثورة »مع الطاقم السياسي، والاستنسابية في أبلسته أو في مديحه، كما حصل مع الحريري، الذي فأجا حتى من هم داخل الحكومة باستقالته. وبعيد انتهاء خطابه، بدأت الماكينة الإعلامية تشتغل، وتكيل المدائح للحريري، بوصفه الرجل الذي «تنازل أمام الإرادة الشعبية»وحافظ على السلم الأهلي، ليُعمل في ما بعد على إدخاله إلى نادي «الثوار»! المحطة الثانية، تمثّلت في خروج شعار إسقاط الرئيس بعد 27 يوماً على اندلاع الانتفاضة الشعبية، ضمن حملة منظّمة إعلامياً وميدانياً، تحمّل رئاسة الجمهورية ما آلت إليه الأمور على الأرض، في تعمية مقصودة أخرى على المطالب التي نزل الناس على أساسها إلى الشارع. أمّا المحطة الثالثة، فقد تمثلت في حدث آخر مفصلي بعيد مقتل علاء أبو فخر في خلدة. لحظة استُثمرت عالياً من قِبل القنوات المذكورة،لا سيما المأتم الرمزي الذي أُقيم له في ساحة «رياض الصلح»، وقد شُغل على تظهيره بصرياً عبر حركة الكاميرات والمؤثرات البصرية (الدخان الملوّن المتصاعد)، والسمعية (أغنية أناديكم). أضحينا بالتالي أمام مشهد يلعب على وتر الحزن والأسى، ويتقن صناعة الحدث المتلفز. يضاف إلى مأتم أبو فخر، قيام شبان قيل إنهم يتبعون إلى «القوات» بتشييد جدار عازل داخل نفق «نهر الكلب» حاملين صورة عملاقة للبطريرك مار نصر الله بطرس صفير. لحظة أعادت اللبنانيين سنوات إلى الوراء، إلى زمن الخنادق والانقسام المناطقي، مقابل شعارات المعتصمين في الساحات التي راحت تروّج للوحدة في وجه المسؤولين عن إفقار الشعب. طبعاً، حادثة «نهر الكلب»، لم تلقَ اعتراضاً واضحاً من قِبل القنوات، بل عُمل على التخفيف من وطأتها، وتصنيفها على أنها مجرد «فشة خلق» كما أشاعت mtv، وقتها. من ضمن المحطات أيضاً، التي طبعت ذكرى 17 تشرين الغضبة العارمة التي نزلت بالمتظاهرين إلى شارع الحمرا في وجه المصارف، وبدء تبدّل المشهد التلفزيوني الذي صنّف هؤلاء على أنهم مثيرو شغب، يقومون «بالاعتداء على المصارف والمحال». اصطفاف جديد، تظهّر بعيد تلك الليلة، صوّرت فيه lbci على سبيل المثال قوى مكافحة الشغب على أنهم ضحايا يتعرضون للاعتداء، فيما اصطادت mtv في المياه الآسنة وراحت تروّج بأن هؤلاء يتبعون لـ «حركة أمل» و«حزب الله». هكذا، أضحى «حزب المصارف» خطاً أحمر، لا تقربه القنوات، لتكبر كرة الثلج في ما بعد وتصل إلى حاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة، الذي كان نجم الساحات والشعارات المضادة له تملأ جدران «المركزي»، فيما إعلامياً عُمِل على تنقية سجله على الشاشات والدفاع عن هندساته المالية التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب.
في مقابل هذه المشهدية التلفزيونية التي أخذت تتبع أجنداتها السياسية، وتشتغل على قِصر ذاكرة اللبنانيين، وتحاول إغفال أصلها الموغل في المحاصصات الطائفية والسياسية والزبائنية، برزت منصّات السوشال ميديا التي شكّلت الإعلام البديل، والسلاح الأمضى في وجه هذه الأجندات، عبر فضح ما يحصل في الميدان وإظهار ما تخفيه القنوات. كلّنا يذكر انضمام سامي الجميل إلى تظاهرة «جل الديب» وتصوير lbci له على أنه «المناضل» الذي نزل إلى صفوف الجماهير، وإذ بصورة أخرى، على المنصات التفاعلية تُظهِر وابل الغضب الذي تعرّض له، وكيفية طرده من الساحة برشقه بعبوات المياه، إلى جانب حوادث أخرى تكرّرت أيضاً على تلك المنصات، استطاعت تحطيم الانتقائية التي تقودها هذه القنوات وتوجّه من خلالها الجمهور.



شجاعة ادمون ساسين


بعد أسبوعين على انطلاق تظاهرات «17 تشرين»، برز حدث أثار الاستغراب، كُشف عنه عبر تسريب للأخبار والصور عبر المنصّات التفاعلية. أظهر التسريب مجموعة شبان يحملون صورة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، ويقومون بتشييد جدار داخل نفق «نهر الكلب». توجه فريق lbci فوراً إلى هناك، وحاول مراسلها ادمون ساسين الدخول، فمُنع من التصوير والتقدّم باتجاه ما يحصل في الداخل. لم يُذعن ساسين لهذا المنع، بل حاول الدخول ثلاث مرات، فتعرّض مع زميله المصوّر للضرب، إلى حين انتشار هذه الحادثة بشكل كبير، والتنديد بها، فسارع هؤلاء الشبان إلى التراجع عن خطوة بناء الجدار العازل. بدأوا بتحطيم ما شُيّد، وسُمح للمراسل بالتقدّم ونقل الصورة، بعدما أصرّ على الدخول وفضح هذه الخطوة التي ظلّت ملتبسة وأعادت إلى الأذهان فترة الانقسام المناطقي وخطوط التماس.


ملاك علوية أيقونة نسوية


في ليلة السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، وبعيد تجمهر المتظاهرين في «وسط بيروت»، للاحتجاج، انتشر سريعاً فيديو لشابة تقوم بركل عنصر أمني، عُرف بعد ذلك بأنه يتبع لموكب أكرم شهيب، قام بإطلاق النار على المتظاهرين. إنها الشابة ملاك علوية، التي تحوّلت ركلتها الواثقة إلى فعل ثوري، وإلى أيقونة جسّدت عبر أعمال فنيّة مختلفة. لحظة اختزلت في رمزيتها قوة المرأة وكسرها جدار الخوف، ما انسحب على التظاهرات في بداية اندلاعها، عبر إسقاط التبعيات الضيقة وتحطيم التابوهات حيال الزعماء السياسيين. علوية، التي راحت تتنقل بين وسائل إعلام محلية وعالمية، عادت وظهرت مرة أخرى، في 23 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، مرتدية الأبيض وبرفقة زوجها، إذ أقيم لهما حفل زفاف في ساحات الاعتصام، في المكان الذي التقيا فيه قبل أعوام قليلة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا