لم ينسحب اليأس على وجه ميرنا بشارة التي لا تزال، منذ عام كامل، تداوم في مقر «ثورة النبطية» في خيمة بجانب مبنى السرايا. تحتفظ المتخصصة بالمسرح العلاجي والتنمية البشرية بقسط من الأمل بالتغيير. ليس بتغيير النظام الطائفي والفاسد فقط، بل بتغيير نظام العقلية الذي يتحكم بحريتها الشخصية من سماع الموسيقى إلى انتقاد أداء حزب الله وحركة أمل. خرجت ابنة النبطية (45 عاماً) من رحم الجنوبيات اللواتي قارعن الإقطاع والاحتلال. تقمّصت انتفاضة مزارعي التبغ في كفررمان عام 1972 وانتفاضة العاشورائيين ضد جيش العدو في النبطية عام 1983. من هنا، لم تجد أن انتفاضة 17 تشرين 2019 غريبة عن تركيبة أجدادها. قبل ذلك، مارست بشارة انتفاضتها الدائمة لتطويب مدينتها دينياً كـ«مدينة الحسين»، قبل رفع الذل عن أهلها من مكبات النفايات العشوائية إلى ابتزاز الناس بلقمة العيش والطبابة والتعلم والخدمات. نُبذت ميرنا بسبب آرائها الاعتراضية. أسقطت عليها أحكام ذكورية وفتاوى أخرجتها عن دينها. «شيوعية، ملحدة، كافرة، تسعى إلى إعادة النبطية إلى زمن الجاهلية والحفلات الصاخبة والكحول». ومن النصائح التي نقلها الجيران والأقرباء لأمّها الثمانينية «لا يجوز لابنتك أن تنام في الشارع. عيب». لم ترضخ بشارة للنصائح التي تحوّلت بعد ذلك إلى تهديد. طردت من عملها ولا تزال حتى الآن بلا دخل. اضطرت إلى تغيير مكان سكنها بعد المضايقات والأذى الذي تعرضت له من الجيران الموالين لأحزاب السلطة. حتى إنها غادرت «غروب» العائلة على «الواتساب».

أبرز وجوه الثورة في ساحة النبطية، كانت الأغاني والأناشيد التي صدحت عالياً في المدينة المحافظة. بعيد عدوان تموز 2006، قضي تدريجياً على تلك الظواهر التي كانت «اعتيادية تعكس التنوع السياسي والثقافي والديني في الجنوب»! تحوّل الساحة إلى مهرجان يومي يمتدّ لساعات الليل ويجمع شباناً وشابات يغنّون ويرقصون، كان الدافع الأول لهجوم عناصر من الحزب وأمل وشرطة بلدية النبطية واتحاد البلديات، على الساحة بعد أقل من أسبوع على بدء الحراك «الذي حاول تغيير وجه النبطية». أثر الاعتداء، الذي يسمّيه المعتدى عليهم «غزوة بدر» على المتظاهرين والمتظاهرات بالضرب والآلات الحادة والشتائم والتهديد، لا يزال يوغل في النسيج الاجتماعي في النبطية وفي البلدات التي يتحدر منها المعتدى عليهم. «كأنها وقعت بالأمس» يقول محمد برجاوي الذي يستعيد بمرارة يوم 23 تشرين الأول عندما وقف بمواجهة مع أقربائه وجيرانه وأصدقائه. «كان يعلم المعتدون هوية كل واحد منا. نحن أبناء منطقة واحدة. متى أصبحنا عملاء سفارات ومدسوسين؟ فقط لأننا قلنا لا بوجه التجاوزات؟». برغم مرور عام، رفض محمد وكثر سواه، مبادرات الصلح التي روّج لها مسؤولون حزبيون «لطيّ الصفحة وفق معادلة عدم إزالة الخيمة مقابل ضبط الشعارات ضد الحزب وأمل وخفض صوت الموسيقى».
لا يكفي هادي نور الدين (21 عاماً) اعتذار ليطوي الصفحة. الشاب الذي ضرب بآلة حادة على رأسه ورقبته، دخل في غيبوبة قبل أن يستفيق ويظلّ عاجزاً عن الحركة لثلاثة أشهر. حتى الآن، لم يستطع استيعاب «الخطيئة» التي ارتكبها بمشاركته في تظاهرات النبطية، لكي يبادر ثلاثة شبان يعرف هوياتهم إلى الاعتداء عليه. حينها، كان هادي عاطلاً عن العمل. وبرغم مغريات الأحزاب للانتساب إليها، رفض ابن الجندي المتقاعد في الجيش الحزبية. مع ذلك، كان يصنّف مع أسرته بأنّهم «شيوعيّون» في إشارة إلى أنها تهمة لمن يعترض، برأي البعض. لم تكن مشاركته في «17 تشرين» تجربته الأولى في الشارع. «لا شغل ولا مستقبل. أعطونا بلداً خربان وقالوا لنا أنتم جيل فاشل». تنقّل هادي في أكثر من مهنة. بعد تعافيه من إصابته، قرر مغادرة بلدته زوطر الغربية إلى بيروت، بعيداً عن الضغوط المحلية. استأجر باص ركاب وشغّله قبل أن تعطّله أزمة كورونا وتعيده عنوةً إلى منطقته.
لم تستطع ساحة كفررمان الصامدة عند دوار كفررمان، كما جارتها ساحة النبطية، تغيير النظام أو حتى معالجة الأزمات المحلية على صعيد البلديات والمجتمع المحلي. برجاوي نفسه تعرض للضرب مع ثلاثة من رفاقه لدى محاولتهم الدخول إلى معمل الكفور لمعالجة النفايات المتوقف عن العمل، بعد تراكم النفايات في الشوارع. مبادرة الأربعة لم يعقبها مبادرات جماعية للضغط في الأزمات المعيشية، حتى تحوّلت سمة الساحتين إلى حيّز عام يتلاقى فيه المعارضون والمستقلون لسياسة أمل والحزب في المنطقة، من دون أن يتعرّض أحد لهم. وهذا وحده قمة الإنجاز.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا