لمدّة تتجاوز الست سنوات، بدءاً من منتصف ثمانينات القرن الماضي، استمرّ حاكم مصرف لبنان السابق إدمون نعيم في لعبة «تنشيف» السوق من الليرات لكبح جماح تدهور سعر الليرة. اللعبة نفسها يمارسها الحاكم رياض سلامة اليوم. هي لعبة احتيالية تهدف إلى التعويض عن ضعف القدرة في تقليص الطلب على الدولار النقدي عبر تقويض عرض الكمية النقدية بالليرة في السوق. طبعاً، ثمة فارق أساسيّ بين ما حصل أيام نعيم وما يحصل في ظل إدارة سلامة النقدية، هو أنه أيام نعيم لم يكن هناك فرق بين الدولار المحلي وبين ما يسمّى الدولار «الطازج» أو الدولار ”الحقيقي»، بل كان الدولار حقيقياً بكل معانيه. أما في ظل لعبة اليوم «الاحتيالية»، إذا أمكن تسميتها كذلك، فإن سلامة يناور عبر خلق عملة جديدة. بمعنى آخر، فإن تجفيف السوق من الليرات الورقية (النقدية) بذريعة امتصاص السيولة التي تخلق طلباً على الدولار، سيخلق نوعين من الليرات المتداولة في السوق: ليرة محلية، وليرة «حرّة» أو «ليرة حقيقية».

كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ فلنأخذ مثلاً أن أحد المقيمين في لبنان يريد شراء الدولارات الورقية من أحد الصرافين. في السابق كان بإمكانه تسديد قيمة الدولارات الورقية بالليرات الورقية المتوافرة في السوق (سواء من مدخراته بالدولار التي أتاح له سلامة سحبها على سعر المنصّة، أو من حساباته الجارية في المصرف)، إلا أنه اليوم لن تعود كمية الليرات الورقية متوافرة له، ما يعني أنه بات أمام خيارين: العودة إلى التعامل بواسطة الشيكات المصرفية، أو البحث عن الليرات الورقية في السوق بأي ثمن. وبما أن الصراف ممنوع عليه فتح حسابات مصرفية أصلاً بموجب تعاميم مصرف لبنان، لن يكون قادراً على التعامل بواسطة الشيكات (على الأقل بشكل مباشر وليس عبر وسطاء)، ما يعني أن الشيكات ستصبح محصورة إلى حدّ ما بالمصارف وبين المضاربين في السوق الموازية. أما الشخص الذي يريد شراء الدولارات بليرات ورقية (نقدية)، فعليه أن يبحث في السوق عمن يملك هذه الليرات. وبالتالي سيصبح لدينا قيمة للشيك المصرفي مقابل الدولار الورقي، مختلفة عن قيمة الليرات الورقية مقابل الدولار. وهذه الأخيرة ستكون أغلى في ظل جفاف السوق من الليرات الورقية (أي أن شراء الدولارات بليرات ورقية سيكون أعلى من شرائه بواسطة الشيكات).
النتائج ستكون مدمّرة اقتصادياً واجتماعياً. فالمقصود بهذه الخطوة هم المودعون بالدرجة الأولى، الذين يجرون اقتطاعاً طوعياً على أموالهم المدخرة في المصرف من أجل شراء الدولارات الحقيقية بهدف الحفاظ على ما تبقى من قيمة مدخراتهم. إذا كانوا مصرين على الاقتطاع من قيمة أموالهم المحجوزة في المصارف مقابل الدولارات الورقية، فسيتحتّم عليهم اقتطاع أعلى على قيمة مدخراتهم.
ومن النتائج أيضاً، سيثير الأمر منافسة شرسة بين الأفراد والتجار للحصول على الليرات الورقية لشراء الدولارات الحقيقية. وبالتالي سترتفع قيمة الليرات الورقية من دون أن تنخفض قيمة الدولارت الورقية.
ماذا يريد سلامة من هذه الخطوة؟ ببساطة، يسعى سلامة إلى تحقيق أكثر من هدف في إطار هذه الخطوة. فهو يريد أن يفرض على الأفراد والشركات الذين خزنوا دولاراتهم، إخراجها وضخّها في السوق، ليتمكن هو من امتصاصها. وهو يريد أن يوقف تسارع تدهور سعر الليرة وأن يجعل ارتفاع الدولار مقابل الليرة أكثر تباطؤاً. أي أنه يريد شراء المزيد من الوقت. البعض يفسّر الخطوة بأنها تشتري له الوقت في انتظار تسوية ما تتيح له «الخروج الآمن» من مصرف لبنان بالتنسيق مع الفرنسيين والأميركيين. وهناك رأي آخر يشير إلى أنه إذا لم يوفّق في التوصل إلى تسوية، فإنه يشتري الوقت في انتظار تسوية سياسية تبعد عنه مسؤولية الانهيار الكبير في سعر الصرف، وتتيح له فرض معالجات «على ذوقه» لاحقاً. فالمدّة التي استغرقها إدمون نعيم في سياسة تنشيف الليرات من السوق تجاوزت ست سنوات، ما يعني أنه سيكون لديه الوقت الكافي لإطفاء كمية كبيرة من الخسائر وتقليص الفجوة بين مطلوباته بالدولار وموجوداته بالدولار.
تأتي هذه الخطوة في ظل غياب أي حكومة قادرة على أخذ القرارات، وخصوصاً تلك المتعلقة بالدعم، ووسط تخبّط سياسي في التعامل مع إدارة التفليسة التي حذّر منها الوزير السابق شربل نحاس في 2018. أيضاً، هي خطوة تتزامن مع خطوات أخرى ستتخذ قريباً مثل رفع الدعم أو تقليصه عن السلع الأساسية مثل المحروقات والدواء والطحين والمستلزمات الطبية وسلّة السلع الغذائية. كما أنها جاءت بعد خطوات من أبرزها التعميم الأخير الذي فرض فيه إيداع الأموال نقداً في المصارف من أجل تحويلها إلى دولارات لتمويل شراء السلع المدعومة.
على أي حال، إن المعالجات لا يمكن أن تكون تقنية فقط، ولا يمكن أن تعتمد على السياسة النقدية وحدها، فهذه السياسة قاصرة عن إدارة الأزمة كونها تنظر إلى الأمر من زاوية المصارف وتوازنات الكتل النقدية الورقية المتداولة في السوق، وهي لا يمكنها أن توفّر قناة لخروج الاقتصاد من «جحيم» الانكماش المتواصل، إذ إن رفع الدعم سواء كان كلياً أو جزئياً سينعكس سلباً على الأسعار المتدهورة أصلاً، وتداعياته الاقتصادية على السوق ستكون كارثية في مزيد من إغلاق الشركات وصرف الموظفين من العمل. وبنتيجة ذلك، ستزداد معدلات الفقر والبطالة، وربما ستكون محفزاً لمزيد من الاضطرابات الاجتماعية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا