استعرت خلافات حادّة بين اللبنانيين منذ اللحظات الأولى التي تلت جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، في شباط 2005، وفرض مجلس الأمن الدولي عام 2007 إنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان بدافع أو بحجة تحديد الحقيقة ومحاسبة القتلة. وجرى التحقيق في ظل اشتداد الخلافات والانقسامات الداخلية وعدم توافق اللبنانيين بشأن تسليم وظيفة إحقاق الحق لجهة خارجية. وبالتالي ليس غريباً أن يختلف اللبنانيون في قراءة الحكم الذي صدر أخيراً عن هذه المحكمة واستعجال استخلاص «العبر» القابلة للاستهلاك السياسي والتحريض قبل مطالعة كامل نصّ الحكم. ولا يبدو حتى الآن أن في لبنان من اقتنع بأن التوافق الوطني بشأن تحديد الحَكَم (لا تحديد الحُكم) كان ولا يزال من الضمانات الأساسية لإحقاق الحق، والعكس صحيح. فالتوافق الوطني بشأن تحديد الحَكَم لا يعني أبداً توافق القاتل مع الضحية ولا يعني تخلّي أحد عن مواقفه أو حتى عن أحكامه المسبقة وتحليلاته بشأن تحديد المجرمين؛ بل يعني الاتفاق على آلية ومسار إثبات - من دون أدنى شك معقول - ما حصل فعلاً ومن قام بهذه الجريمة النكراء التي استنكرها ويستنكرها كل الأطراف والمجموعات والقيادات والأحزاب والتيارات في لبنان، على الأقل بشكل علني وموثّق. وإذا كان البعض يشك بمواقف الآخرين بهذا الشأن، فكان عليه ربما أن «يلحق الكذّاب الى باب الدار» من خلال السعي الجدي الى الاتفاق على الآلية، لا على ما يتوقعه أو ما يتمناه من نتائج عملها. ها نحن اليوم نحصد ما جنيناه بعد تسديدنا مئات ملايين الدولارات. فلنتفق على الأقل، أن اللبنانيين منقسمون بشأن نتائج الحكم، علماً بأن معظم اللبنانيين لم ولن ينكبّوا على مطالعة 2682 صفحة... وبالتالي نعرض قراءة أوّلية لمضمون الحكم نحدد فيها الصفحات والفقرات التي تتضمن تعليل القضاة لقراراتهم والتي نشرت باللغة الإنكليزية، علماً بأن هذا الحكم قابل للطعن أمام غرفة الاستئناف. وننطلق في كل الملاحظات التي سنعرضها، من مبدأ الحق في «الإنصاف الفعلي” («effective remedy»، المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان») لدى اللجوء الى المحاكم. فهل أنصفت المحكمة الخاصة بلبنان فعلياً اللبنانيين وضحايا هجوم 14 شباط 2005؟ أم أنها أنفقت مئات ملايين الدولارات لتزيد على قائمة المواضيع الخلافية بين اللبنانيين مادة دسمة من المواد المسمّمة لمستقبل هذا البلد الجريح؟


التهرّب من الحسم
يشكل الحكم الذي أصدرته المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (18 آب 2020) خيبة أمل لمن أراده حاسماً بشأن ضلوع حزب الله في اغتيال الحريري أو عدمه. ولا شك في أن عدم الحسم يوسّع هامش التوظيف السياسي والفئوي ويحوّل الحكم إلى مادة إضافية في حلبة الصراعات بين اللبنانيين.
بعد قراءة كامل نص الحكم يتبين أن قضاة غرفة الدرجة الأولى يتلاعبون بموضوع الحزب من خلال حسمهم عدم وجود دليل على ضلوع أي من قياداته أو أعضائه في جريمة اغتيال رفيق الحريري من جهة، وزعمهم أن ضلوع الحزب في الجريمة نفسها محتمل. علماً أن اختصاص المحكمة القضائي يقتصر على المسؤولية الجنائية الفردية لا الجماعية.
المحكمة أقرت بأن المتهمين من «داعمي» حزب الله ولم تقدم أي إثبات عن عضوية أي منهم (بعد وفاته لم يعد السيد مصطفى بدر الدين من بين المتهمين بحسب نص الحكم) كما أنها لم تقدم أي دليل عن هيكلية الحزب والطبيعة التنظيمية لعلاقة أعضائه بعضهم ببعض.
القضاة حسموا أن المدعي العام الدولي «لم يقدم أي دليل يدل على أن أي عضو في حزب الله أو أي قيادي فيه، وبشكل خاص السيد نصر الله، كان له أي دافع لقتل الحريري» (الصفحة 233 الفقرة 765) لكن نص الحكم يضيف لاحقاً أنه «يُحتمل أن يكون لسوريا ولحزب الله دوافع لتصفية السيد حريري وبعض حلفائه» (الصفحة 240 الفقرة 787). وفي الفقرة نفسها يعود ويكرر أن «لا دليل على أن حزب الله وجّه أوامر للسيد بدر الدين وللسيد عياش بتأمين الدعم اللوجستي لاغتيال السيد حريري».
ولكن أكثر ما استوقفنا في هذا الإطار لدى قراءة الحكم هو الفقرة 739 (الصفحة 223) ومضمونها بالكامل حرفياً هو: «أن المتهمين الأربعة والسيد بدر الدين هم مسلمون شيعة» انتهى نص الفقرة من دون إضافة أي تفسير أو إطار لإيراد ذلك ولشرح علاقته بالجريمة الإرهابية التي وقعت في 14 شباط 2005.
أما بشأن المسؤول في الحزب وفيق صفا فيرد اسمه في الحكم بينما حسم القضاة بأنهم «لن يقدموا أي خلاصات بشأنه لأنه ليس مدعى عليه ولم يرد اسمه في نص القرار الاتهامي بصفة مشارك في المؤامرة الجنائية» (الصفحة 233 الفقرة 764). وهنا أيضاً يبدو تلاعب القضاة مع حزب الله واضحاً إذ أن ما ورد قد يفسّر بأن صدور قرار اتهامي يرد فيه اسم صفا قد يعرضه للإدانة بحجة مشاركته المزعومة في المؤامرة الجنائية.
ويرد في نص الحكم حرفياً أن «غرفة المحاكمة لم تتلق أي دليل يثبت أن المتهمين كانت لديهم دوافع غير خاصة مرتبطة بقيادة حزب الله» (الصفحة 124 الفقرة 415). يعني ذلك، على عكس ما قاله محامي المدعي العام غرايم كامرون في قاعة المحكمة، احتمال أن تكون للمتهمين دوافع شخصية لاغتيال الحريري.

محكمة بخلفية خاصّة جداً
أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان في 18 آب المنصرم (2020) حكمها في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وآخرين. يتألف الحكم من 2682 صفحة. وبما أن قراءة هذا العدد الكبير من الصفحات يستغرق ما لا يمكن أن يقل عن خمسة عشر يوماً، يبدو أن معظم التعليقات والتحليلات والتي صدرت حتى الآن بشأن مضمون الحكم استندت إلى ملخص للحكم يتألف من 150 صفحة قرأها يوم 18 آب قضاة غرفة الدرجة الأولى التي يرأسها الأسترالي دايفد راي وتضم الجامايكية جانت نوسوورثي واللبنانية ميشلين بريدي من لاهاي حيث مقر المحكمة.
صدر الحكم بعد مرور نحو 15 سنة على وقوع الجريمة (14 شباط 2005) وبعد مرور 13 سنة على إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان (قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1757 في 30 أيار 2007) وبعد مرور 11 سنة على انطلاق عمل هذه المحكمة (1 آذار 2009) وبعد مرور 9 سنوات على صدور القرار الاتهامي الأول بحق المتهمين (حزيران 2011) وبعد جلسات المحاكمة الغيابية التي دامت 7 سنوات (منذ انطلاقها عام 2014).
ولا بد من التذكير أن المحكمة الخاصة بلبنان هي أول محكمة دولية مختلطة تعد الإرهاب جريمة من اختصاصها القضائي. وهي أول محكمة دولية مختلطة تحاكم متهمين غيابياً بينما يعين مكتب الدفاع فيها محامين ليدافعوا عن حقوق المتهمين الغائبين ومصالحهم من دون التواصل معهم.
كما لا بد من التذكير أن المحكمة الخاصة بلبنان أُنشئت من دون موافقة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية عليها كما يقتضي الدستور (المادة 52) بل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح لمجلس الأمن الدولي تجاوز السيادة الوطنية للدول الأعضاء في حالات استثنائية. وفي هذه الحالة تحديداً فرض مجلس الأمن من خلال القرار 1757 (الصادر يوم 30 أيار 2007) اتفاقاً بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية (يصبح سارياً في حزيران 2007) من دون موافقة الأخيرة. وقضى الاتفاق بإنشاء المحكمة وإلزام لبنان التعاون معها تحت طائلة العقوبات الدولية وتمويل نصف ميزانيتها منذ موعد انطلاق عملها الذي حدده الأمين العام للأمم المتحدة لاحقاً بالأول من آذار 2009.

لمحة عن معايير الحكم
قبل عرض الأسس التي اعتمدها القضاة لا بد من الإشارة الى أن قضاة المحكمة الخاصة بلبنان استندوا الى قرارات وأحكام قضائية كانت قد صدرت عن المحاكم اللبنانية في جرائم إرهابية، وذلك بهدف توضيح المرتكزات القضائية. واللافت أن أحد هذه الأحكام هو حكم صدر عام 1997 في قضية محاولة اغتيال الوزير ميشال المرّ. وعرض الحكم الدولي لما استندت اليه المحكمة اللبنانية «لإدانة السيد سمير جعجع بالتحريض على الإرهاب» (الصفحة 2024 الفقرة 6179).
على أي حال، اعتمدت غرفة الدرجة الأولى بشكل أساسي على معيارين أساسيين لتكوين حكمها بحق المتهمين الأربعة الذين حوكموا غيابياً: الأول هو قرينة البراءةK والثاني هو «in dubio pro reo»، ويعني ذلك أنه لا تجوز إدانة المتهم إذا كانت هناك شكوك في شأن إدانته. وبالتالي على المدعي العام إثبات الإدانة من دون أدنى شك معقول. غير أن كل الأدلة التي استند اليها، باستثناء دليل واحد استخدم لمحاولة إدانة المتهم حسين عنيسي، هي أدلة ظرفية ومعظمها يعتمد على نتائج تحليل حركة الاتصالات الهاتفية المنقولة.
لكن هل يمكن الإدانة استناداً الى أدلة ظرفية بشكل حصري؟ يوضح نص الحكم أن ذلك ممكن بشرط تقديم المدعي العام تصوّراً شاملاً يتكون من عدد كبير من الدلائل الظرفية لتكوين المعرفة الأكيدة لما حصل فعلاً. غير أن الحكم يشير بوضوح الى أن الاستناد الى مجموعة من الأدلة الظرفية الضعيفة لا يمكن أن يؤدي الى الحسم والإدانة (الصفحة 67 الفقرة 239)؛ فـ«إذا كان الأساس الواقعي للأدلة الظرفية ضعيفاً، ستكون الخلاصات المستندة اليها أكثر ضعفاً» (الصفحة 77 الفقرة 268).
وكانت غرفة الدرجة الأولى قد أصدرت خلال جلسات المحاكمة عدة قرارات تبيّن لها، على ما يبدو، أنها تستدعي «مراجعة بعد سماعها الأدلة التي استُند اليها» وبالتالي ورد في الصفة 17 (الفقرة 68) أن «الغرفة ستعيد النظر ببعض الأمور». يشير ذلك الى ارتياب القضاة من المزاعم التي صدرت عن مكتب المدعي العام، بالرغم من كل التسهيلات التي تمتّع بها العاملون في هذا المكتب وكل الدعم المحلي والإقليمي والدولي الذي حظوا به خلال سنوات طويلة من التحقيق.

الاتصالات دليل «ناقص»
أشار القضاة في نص الحكم الى وقائع تدل على ضعف ونقص في أدلة الاتصالات، علماً أن الجزء الأكبر من الأدلة التي استند اليها المدعي العام استندت الى نتائج تحليل داتا الاتصالات. فالمحققون قاموا بتحليل كل الاتصالات التي قالوا إن هاتفاً محدداً قام بها خلال سنوات ليتمكنوا من تحديد نمط استخدامه. وبالإضافة الى قياس وتيرة التزامن المكاني للهاتف مع هواتف أخرى، زعم المدعي العام أن بإمكانه الحسم بأن هذا الهاتف يعود لأحد المتهمين الأربعة. لكن بما أنه «لم يكن لدى شركة ألفا قاعدة بيانات مركزية قبل عام 2007» كما جاء في الصفحة 108 (الفقرة 370) من نص الحكم؛ وبما أن «غرفة المحاكمة شددت على أن سجلات الاتصالات ناقصة قبل آب 2004» (الصفحة 1758 الفقرة 5308)، لم يكن باستطاعة المدعي العام تقديم أدلة كاملة لا تحتمل الشك مبنية بشكل حصري على تحليل الاتصالات وتحديد أنماط الاستخدام والتزامن المكاني. وبالتالي استند قضاة غرفة الدرجة الأولى الى تحليل موسّع جداً للاتصالات إضافة الى دليل قالوا بأنه يحدد مكان وجود المتهم سليم عياش في كانون الثاني 2005.

إدانة عياش: تشكيك في صدقية الأمن السعودي
استناداً إلى ما شرحناه سابقاً، لا يمكن أن تستند غرفة الدرجة الاولى حصراً الى خلاصات تحليل الاتصالات لإدانة أي المتهمين بل هي تحتاج الى دليل إضافي يمكن أن تعتمده للحسم. وقد قدم المدعي العام، بحسب ما ورد في نص الحكم، مئات التحليلات لاتصالات وأرقام هاتفية زعم أنها تعود لسليم عياش وتدل على تحركاته وبالتالي على وظيفته الجنائية في مراقبة تحركات الرئيس الحريري والتحضير للهجوم وصولاً الى تنفيذه يوم 14 شباط 2005. لكن المدعي العام نفسه «أقرّ بأن لا قضية له ضد السيد عياش اذا تبين أنه كان في السعودية (في مطلع 2005)» (الصفحة 843 الفقرة 2662). وبالتالي على المدعي العام أن يُثبت، من دون أدنى شك معقول، أن عياش لم يسافر الى المملكة العربية السعودية مطلع عام 2005. وحسمت المحكمة فعلاً أن «السيد عياش لم يغادر لبنان في كانون الثاني 2005 بداعي الحج» (الصفحة 932 الفقرة 2935). لكن كيف توصّلت الى ذلك؟
الحكم يسلّم بأن «السيد عياش حصل على جواز سفر للحج وعلى تأشيرة للسفر عامي 2004 و2005 وأن اسمه يرد في السجلات اللبنانية والسعودية للدخول والخروج وفي مانيفست الرحلة (أي لائحة ركاب رحلة الطيران)» (الصفحة 1965 الفقرة 3260). وتشير سجلات المديرية العامة للأمن العام اللبناني إلى أن عياش وزوجته غادرا لبنان يوم 15 كانون الثاني 2005 (الصفحة 1075 الفقرة 3294). واللافت أن «اللجنة الدائمة لمكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية السعودية أقرّت خطياً أن السيد عياش وزوجته وصلا الى جدة يوم 15 كانون الثاني 2005 وغادرا من المدينة يوم 28 كانون الثاني 2005». بالمقابل قال المدعي العام إن هناك «شخصاً آخر استخدم اسم سليم عياش وجوازه الخاص بالحج ليسافر الى السعودية» (الصفحة 1065 الفقرة 3260). ولنسف ما تقدمت به وزارة الداخلية السعودية والأمن العام اللبناني استندت المحكمة الخاصة بلبنان الى إفادة مسؤول في تيار المستقبل يدعى إبراهيم عيتاني وهو بحسب نص الحكم «منسّق الشؤون الدينية في حزب المستقبل» (الصفحة 1069 الفقرة 3273).

لنسف ما تقدمت به الداخلية السعودية والأمن العام اللبناني، استندت المحكمة الى إفادة «منسّق الشؤون الدينية في حزب المستقبل»

عيتاني قال للمحكمة: «يوجد دائماً احتمال للتلاعب بجوازات سفر الحج وأكثر ما يزوّر هي تواريخ الميلاد. وبعض الحجاج حاولوا تزوير صورهم الشمسية» (الصفحة 1072 الفقرة 3282). علماً أنه بحسب سجلات الحج لا يوجد أي تزوير في جوازات سفر الحج عام 2005 بينما توجد حالتان عام 2003 وحالة عام 2004 و18 حالة عام 2006. (الصفحة 1072 الفقرة 3283).
اقتنع القضاة بما أفاد به عيتاني وأقروا بأن هناك «شوائب في إجراءات تعريف المسافرين خلال موسم الحاج عام 2005» (الصفحة 1099 الفقرة 3375). وقرروا التسليم بروايته لنسف ما تقدمت به السلطات الرسمية في المملكة العربية السعودية وفي الجمهورية اللبنانية من دون أن يكلف القضاة أنفسهم الاستماع الى شاهد خبير آخر بشؤون الحاج ومن دون الطلب من السلطات السعودية المكلفة بتنظيم مواسم الحج بتقديم إفادتها لتتعرف إلى حقيقة ما حصل.
في الخلاصة وبعد مرور 15 سنة على اغتيال رئيس حكومة سابق وبعد عمل مئات المحققين والقضاة والمحامين والخبراء على تحديد الحقيقة في إطار المحكمة الخاصة بلبنان، تبين أن الإدانة الوحيدة وُجهت الى شخص واحد استناداً الى شكوك مسؤول في تيار المستقبل أنه لم يكن قد سافر الى السعودية مقابل تأكيد الدولة اللبنانية والمملكة العربية السعودية أنه فعل. أضف الى ذلك رشة «تحليل اتصالات»...



في شكل الحكم وحجمه
قبل عامين على صدور الحكم، أي في 19 أيلول عام 2018، طلب المحامي المكلّف من قبل المحكمة الدفاع عن حقوق السيد حسين عنيسي ومصالحه، فنسان كورسيل لابروس، من قضاة غرفة الدرجة الأولى «حذف دلائل من سجل المحكمة» بسبب ضعف قيمتها الثبوتية (بحسب مذكّرة لابروس). لكن الغرفة رفضت الطلب وقرّرت أن تُبقي على الدلائل في سجلاتها رغم إقرارها باحتمال «تجنّب» الاستناد إلى تلك الدلائل لانعدام قيمتها الثبوتية (الصفحة 50 الفقرة 183 من نص الحكم). وبدا واضحاً في مضمون الحكم أن جزءاً كبيراً من نصه الموزّع على 2682 صفحة يتضمن دلائل قدّمها مكتب المدعي العام لإدانة المتهمين الأربعة، بينما الجزء الأكبر من هذه الدلائل لا قيمة ثبوتية له. فمن ضمن الحكم مئات الصفحات تتناول ادّعاءات ليست مبنية على أي دليل مباشر بل جزئيات من وقائع ظرفية فشل المدعي العام في تركيبها بشكل مُقنع ومتناسب مع المعايير القضائية الدولية. إذ لا يمكن للمحكمة الخاصة بلبنان، مهما بلغت نسبة الضغط والتدخل السياسي على قضاتها وموظفيها أن تصدر حكماً دون أدنى شك معقول، مبنياً على دليل الاتصالات، من دون تقديم أي دليل آخر. لكن قبل الدخول في معايير الحكم ومستنداته لا بدّ من الإشارة إلى بعض الملاحظات الخاصة بالشكل:
أولاً، تبدّل اسم رئيس قلم المحكمة في نص الحكم من الأميركي داريل مونديس إلى الأميركي دايفد تولبرت الذي كان قد شغل هذا المنصب لفترة وجيزة عام 2009 قبل أن يستقيل وينتقل للعمل في معهد العدالة الانتقالية في الولايات المتحدة الأميركية. ولدى الاستيضاح تبين أن مونديس في إجازة مرضية منذ تموز 2020 بينما تحدثت بعض المصادر من داخل المحكمة عن شكوك يبديها مجلس إدارة المحكمة في شأن صرف رئيس القلم مبلغاً من المال بشكل غير منتظم. علماً أن المحكمة يموّل لبنان 49 بالمئة من كلفتها من دون تدقيق ديوان المحاسبة في شأن كيفية صرف الأموال ومن دون أن تنشر المحكمة تقريرَ تدقيقٍ ماليٍّ سنوياً لإطلاع دافعي الضرائب في لبنان على كيفية صرف أموالهم. وكان رئيس قلم المحكمة السابق الهولندي هيرمان فون هابل قد وعد عام 2010 بنشر تقرير التدقيق المالي لكنه عاد وتراجع عن وعده. واستناداً إلى ذلك يمكن الاشتباه في قيام المحكمة الخاصة بلبنان بالاحتيال المالي من خلال صرف أموال بشكل سري ومثير للريبة. ولا شك في أن التعميم الداخلي الأخير الصادر عن القلم يوم 2 أيلول الجاري، بوجوب خفض موازنة المحكمة بنسبة 39 بالمئة يشير إلى اعتراضات مجلس إدارة المحكمة الذي يتألف من الدول المساهمة، على المصاريف الضخمة والكلفة الباهظة لمحكمة كل ما توصلت إليه بعد سنوات من الصرف، هو إدانة شخص واحد من خلال التشكيك في مصداقية الأمن العام اللبناني والمؤسسات الملكية الحكومية المعنية بالحج في السعودية.
من المرتكزات القضائية التي استندت إليها المحكمة «إدانة السيد سمير جعجع بالتحريض على الإرهاب» في محاولة اغتيال ميشال المر


ثانياً، ورد في الحكم أن ثلاثة محامين كُلفوا الدفاع عن حقوق كل من المتهمين الأربعة ومصالحهم ما عدا واحداً : حسن مرعي الذي كُلف فقط محاميان للدفاع عن حقوقه. ويعود ذلك إلى تعيين المحامية الفرنسية هيلين دوهاميل لوفرابيه التي كانت ضمن الفريق الخاص بالمتهم حسن مرعي، رئيسة لمكتب الدفاع. علماً أن مكتب الدفاع في المحكمة الخاصة بلبنان هو أحد الأجهزة الأربعة التي تكوّنها، ألا وهي مكتب المدعي العام، والقلم، وغرف القضاة، ومكتب الدفاع. ولا يتبع مكتب الدفاع للقلم كما هو الحال في سائر المحاكم الدولية. ونتجت عن ذلك مشاكل وخلافات عديدة منذ انطلاق عمل المحكمة عام 2009 بدا أعنفها في نص الحكم الذي صدر في 18 آب، إذ تضمن اعتراض رئيس الغرفة القاضي راي، الشديد اللهجة، على تولي لوفرابيه رئاسة مكتب الدفاع بسبب تضارب المصالح. وبالرغم من عدم طلب المحامي الرئيس المكلف الدفاع عن مرعي، التونسي محمد عويني، محامياً بديلاً بعد رحيل لوفرابيه، بدا تمييز أحد فرق الدفاع عن سائر الفرق مستغرباً.
ثالثاً، وربطاً بالملاحظة السابقة كان لافتاً عدم ذكر مكتب الدفاع في نصّ الحكم وعدم توجيه نسخة منه إلى رئيسته. علماً أن تعيين المحامية دوهاميل لوفرابيه رئيسة لمكتب الدفاع هو من صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة، وليس من اختصاص غرفة الدرجة الأولى في المحكمة تجاهل قرار إداري أو الاعتراض عليه. غير أن القاضي راي عدّ المسألة قانونية، واعتبر أن لها أثراً سلبياً على حقوق الأشخاص الذين حوكموا غيابياً. كما أضاف راي على نص الحكم ملاحظاته القاسية بشأن لوفرابيه واستخدم لهجة عنيفة تدل على تحول المشكلة إلى مشكلة شخصية بين القاضي والمحامية. علماً أن القاضي راي كان قد أرسل نسخة عن طلبه بتنحية القاضي عفيف شمس الدين بسبب زعمه أن علاقة ما تربط هذا القاضي بأحد الشهود (تاريخ الطلب 20 كانون الأول 2019) إلى «رئيسة مكتب الدفاع دوروتيه لوفرابيه دوهاميل» كما ورد على غلاف الطلب.



الأمم المتحدة لا تتعاون!
انتهكت منظمة الامم المتحدة، بشكل جسيم، موجبات التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان التي طلبت من الدول الأعضاء احترامها وذلك من خلال «رفض» السماح لقضاة غرفة الدرجة الاولى الاستماع الى إفادة المبعوث الخاص للأمم المتحدة بشأن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559/2004 تيري رود لارسن (الصفحة 168 الفقرة 564). وامتنع القضاة عن الاستماع الى شهادة مستشار الأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة واكتفوا بزعم النائب السابق غازي يوسف ان «سلامة طلب منه (من يوسف) ان يقول للسيد الحريري بأن يكون حذراً لأن السوريين يريدون اغتياله سياسياً او غير سياسياً» (الصفحة 179 الفقرة 603). وبالتالي فان الجهة الدولية نفسها التي فرضت تعاون لبنان مع طلبات المحكمة الخاصة بقوة الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، امتنعت عن التعاون.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا