في ٢٨ تموز الماضي، وافق مجلس الوزراء على التعاقد مع شركة Alvarez &Marsal Middle East Limited لتنفيذ تحقيق جنائي تشريحي (Forensic Audit) في مصرف لبنان. وفوضّ إلى وزير المالية غازي وزني التوقيع على العقد.

مرّ شهر على ذلك القرار، ووزني لم يوقّع العقد حتى اليوم. بالتوازي، واظب القصر الجمهوري على التواصل، شبه اليومي، مع وزير المالية لحثّه أو سؤاله عن الملف وموعد التوقيع. مصادر الوزارة تشير إلى أن التأخير كان طبيعياً، فبعد موافقة مجلس الوزراء على التعاقد مع الشركة، عكفت الوزارة على التفاوض بشأن العقد وتفاصيله، ثم إعداده وإرساله إلى هيئة الاستشارات والتشريع لأخذ رأيها. في ذلك الوقت، وقعت كارثة المرفأ، ثم تلتها استقالة الحكومة يوم 10 آب. عندها صار السؤال: هل يحق لوزير المالية المستقيل التوقيع؟ في ١١ آب راسل وزني هيئة التشريع، طالباً إبداء الرأي بالنسخة الأوّلية لمشروع العقد. وبالفعل، صدرت الاستشارة بعد يومين فقط، متضمنة تأكيداً على أن «توقيع العقد لا يطرح إشكالية لناحية مسألة تصريف الأعمال، على اعتبار أن وزير المالية ينفذّ قرار مجلس الوزراء الصادر قبل استقالة الحكومة والمستوجب التنفيذ بعد استقالتها». تلك استشارة لم تلغ حقيقة أن ثمة آراء قانونية تؤكد أن التوقيع على العقد يتخطى صلاحيات الوزير في فترة تصريف الأعمال، أولاً لأن قرار مجلس الوزراء لم يرتّب أي التزام تجاه الغير (الشركة)، وثانياً لأن التوقيع سيرتّب التزاماً على الدولة، مالياً وتعاقدياً. فهل هذا ممكن في فترة تصريف الأعمال؟ بحسب هيئة الاستشارات، نعم هذا ممكن، لكن المصادر تعتبر أن من الأجدى أن يطلب وزير المالية تغطية من رئيسي الجمهورية ورئيس الحكومة. مع ذلك، وبصرف النظر عن آلية التوقيع، تؤكد مصادر «المالية» أن وزني سيوقّع العقد خلال أيام.

القوانين «مقبرة» التحقيق
مسألة التوقيع بُتّت، لكن بقي إبداء الرأي في مسودة العقد. تشير الاستشارة التي أنجزها القاضي محمد فواز إلى أن تضمين العقد فقرتين تشيران إلى أن التنفيذ يجب أن يتم وفقاً لأحكام القانون اللبناني سيكون له تأثير حاسم في مدى قدرة الشركة على النفاذ إلى المعلومات التي تجدها ضرورية. على رأس هذه القوانين «السرية المصرفية» و»النقد والتسليف».
مصادر مطلعة تؤكد أن هذين القانونين سيكونان سلاح مصرف لبنان للاستنساب في تزويد الشركة بالمعلومات التي تريدها، بما يمنعها من إتمام مهمتها. فإذا كان قانون السرية المصرفية يعطي هيئة التحقيق الخاصة صلاحية الموافقة أو رفض طلبات رفع السرية المصرفية عن الحسابات، فإن المادة ١٥١ من قانون النقد والتسليف تشير إلى أن «على كل شخص ينتمي أو كان انتمى الى المصرف المركزي، بأية صفة كانت، أن يكتم السر المنشأ بقانون 3 أيلول سنة 1956. ويشمل هذا الموجب جميع المعلومات وجميع الوقائع التي تتعلق ليس فقط بزبائن المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية، وإنما أيضا بجميع المؤسسات المذكورة نفسها والتي يكون اطلع عليها بانتمائه الى المصرف المركزي».
ذلك يعني ببساطة أن التدقيق المالي في حسابات مصرف لبنان سيكون تحت رحمة حاكم مصرف لبنان، الذي يتسلح أيضاً باستقلالية «هيئة التحقيق الخاصة»، التي تحدد المادة السادسة من قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (القانون ٤٤\٢٠١٥) دورها ومهامها. وبالرغم من أن الهيئة لا تخضع في عملها لسلطة مصرف لبنان، إلا أن رئاستها من قبل حاكم المصرف، كما تمويلها الذي يخضع لموافقة المجلس المركزي، يسمحان له بالتأثير على عملها بشكل كبير. أضف إلى ذلك أن قانون إنشائها يحدّ من قدرة السلطات الدستورية على التدخّل في عملها. بحسب المادة ١٥١، يحقّ لها، بعد إجراء التدقيق والتحليل اللازمين… رفع السرية المصرفية لصالح المراجع القضائية المختصة أو لصالح الهيئة المصرفية العليا. شركة التدقيق ليست بحسب القانون مرجعاً مختصاً.

سيتسلّح المركزي بأنه لا يمكن كشف المعلومات إلا في حال تعديل القوانين في مجلس النواب


المثال الأوضح على ما يمكن أن تفعله الهيئة لعرقلة عمل الشركة، كان امتناعها في نيسان الماضي عن تزويد النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات بأسماء الأشخاص الذين أجروا تحويلات من حساباتهم في المصارف اللبنانية إلى الخارج. حجتها أن «المصارف أفادتها بأن الأموال الموجودة في حسابات هؤلاء الأشخاص لا توجد حولها شبهات». وذكّرت بأنه «في حال تم تجاوز القانون في هذه القضية، فإن ذلك سوف يفسر بأن الهيئة تقوم بتنفيذ قرار سياسي، ما يضرب الاستقلالية التشغيلية للهيئة، والتي يفترض ألا تتأثر بقرارات طابعها سياسي وفقاً للمعايير الدولية التي ترعى عمل وحدات الإخبار المالي». بهذا المعنى، فإن إقرار مجلس الوزراء للتدقيق التشريحي في حسابات مصرف لبنان هو قرار سياسي. فهل هذا يعني أن التدقيق سيفشل قبل أن يبدأ بسبب إخضاعه للقانون اللبناني، الذي يسمح لمصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة برفض التعاون مع الشركة؟
ترفض مصادر معنية الوصول إلى هذا الاستنتاج مسبقاً، وإن كانت لا تخفي أن حاكم مصرف لبنان قادر على نسف المشروع بحجة القوانين المرعية الإجراء، وبموجب السلطة التي يملكها. وأكثر من ذلك، تشير المصادر إلى أن الجهات المتحمسة للتوقيع، تدرك قبل غيرها أن عمل الشركة بحسب القوانين اللبنانية يعني أن التدقيق لن يوصل إلى مكان، لكنها مع ذلك تصرّ على تحصيل إنجاز معنوي - سياسي.

اقتراحات لن تنفّذ
بعيداً عن الملاحظات على بنود العقد، ومنها اقتراح تخفيض الدفعة الأولى من بدل عمل الشركة من 40 في المئة إلى خمسة في المئة من قيمة العقد، اقترحت الهيئة تضمين العقد دعوة ممثل مجموعة «ايجمونت» (تخضع كل هيئات التحقيق الخاصة أو الشبيهة لها في العالم لرقابتها) للإشراف على مدى التزام هيئة التحقيق الخاصة بالقواعد الالزامية التي تنظم عملها، والنظر في أمر عدم تعاون الهيئة مع طلبات الشركة. كما اقترحت هيئة الاستشارات، على اعتبار أنها المستشار القضائي المستقل للدولة، إشراكها ضمن إطار اللجنة التي سيؤلفها وزير المالية لمتابعة تطور عمل الشركة، بما يسمح لها بتوضيح مدى جواز أن يقوم مصرف لبنان قانوناً بتسليم معلومات للشركة أو حجبها عنها.

هيئة الاستشارات أجازت لوزير المالية التوقيع في فترة تصريف الأعمال


مصادر وزارة المالية تؤكد أن هذين الاقتراحين مرفوضان تماماً، فالأول يمثّل تداخلاً بين صلاحيات السلطتين التنفيذية والقضائية، والثاني، يدعو إلى إدخال مجموعة دولية في صلب التدقيق، من دون وجود أي عقد معها. في الأمور الأخرى أيضاً، كتعديل نسبة الدفعة الأولى أو مهلة التقاضي، تشير المصادر إلى أن ذلك خاضع للتفاوض مع الشركة. بناءً عليه، ولأن الاستشارة غير ملزمة، تتوقع المصادر أن يتجاوز وزير المالية بعض الملاحظات، التي لا يراها في محلّها.

تقرير أوّلي بمليوني دولار!
بعيداً عن العراقيل القانونية المتوقّعة، ثمة إشكاليات عديدة تواجه وصول التحقيق إلى خواتيمه، وترجّح فشل شركة «لافاريز» في إتمام مهمّتها. العقد محدّد بعشرة أسابيع فقط تبدأ بتاريخ إعلان الشركة حصولها على المستندات المطلوبة من مصرف لبنان (خلال مهلة أسبوعين من تاريخ إخطاره بالطلب). على الشركة بعد تسلّمها المستندات أن تتأكد منها خلال أسبوع. إذا تبيّن لها اكتمالها تبدأ عملها، وإذا تبيّن العكس، تعيد الاتفاق مع المصرف على تزويدها بالمعلومات المطلوبة بحد أقصى أسبوعين أيضاً.
لكن ماذا لو لم يوافق مصرف لبنان على تزويدها بكل ما تريده؟ بحسب كل المعطيات المرافقة للملف، فإن أحداً لا يمكنه إلزامه، إلا في حال تعديل القوانين في مجلس النواب. خلافاً لذلك، ستكون نتيجة التحقيق، الذي كلّف عقداً بقيمة مليونين و٢٢٠ ألف دولار (من بينها ١٢٠ ألف دولار مصاريف سفر وإقامة لممثلي الشركة)، قد وصل إلى حائط مسدود. وحتى مع افتراض الإيجابية من قبل مصرف لبنان، فإن العقد يشير إلى أن على الشركة أن تقدم تقريراً، بعد انتهاء مهلة العشرة أسابيع، عن النتائج التي توصّلت إليها. التقرير تقرير أوّلي يمكن أن يتضمن طلباً من الشركة بضرورة استكمال بعض التحقيقات. هذا يعني أموالاً إضافية ووقتاً إضافياً، من دون توقعات إيجابية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا