منذ كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، لم يتوقف التضامن الإنساني مع لبنان من أنحاء العالم كافة. هذا التضامن الذي تُرجم على شكل مساعدات مادية، هبات غذائية، عينات طبية، إضافة إلى فرق إنقاذ وصلت من دول عدّة للمساعدة في رفع الأنقاض من مرفأ بيروت. لم يقتصر أمر المساعدات على الدول الغنية و«المتقدمة»، بل امتدّ إلى دول فقيرة، غير «مؤثرة» على مستوى القرار العالمي، تُعاني من اضطرابات داخلية، ولطالما نُظر إليها بنظرة فوقية لأنها من «دول العالم الثالث»، مثل بنغلاديش وباكستان والعراق... لم تأخذ هذه الدول نصيبها من «الترويج» والتشكّرات لمساهمتها الإغاثية، بل صُبّ الاهتمام على الحديث عن المعونات الأميركية والغربية التي وإن أتت استجابة للوضع الإنساني، فإنّ ذلك لا يُقصي بُعدها السياسي، بل يعكس توجهات ومواقف دولية لبعض الملفات الإقليمية التي يشكّل لبنان ساحة لمعاركها.

مما لا شك فيه أنّه عند حدوث كارثة إنسانية، كمرفأ بيروت التي ذكّرت العالم بمآسي مجزرة هيروشيما، أن يكون التضامن الإنساني هو السّباق. ويندرج هذا التضامن في خانة السلوك الإنساني الذي يتمثّل في تخفيف آلام ومعاناة الناس، وتقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة، وهي قيم إنسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدّمها. ووفق التعريف السائد، فإنّ التضامن هو مسؤوليّة تقع على عاتق الأفراد والجماعات كلٌّ حسب قدرته وحسب موقعه ودوره، والتخلّي عن التضامن إنما هو تخلٍّ عن روح الإنسانية. هذا ما حصل مع بيروت حين وقعت الكارثة. مشاهد الدمار الكبير، الخسائر البشرية ومعاناة الناس، دفعت بالدول في مختلف أنحاء العالم إلى المبادرة في تقديم العون إما معنوياً أو مادياً. ورغم مفهوم التضامن المُتّفق عليه، إلّا أن أهدافه تختلف حسب كلّ دولة، وقد بدا ذلك جلياً لدى الحكومات التي سارعت إلى اتّخاذ مواقف السياسية وإطلاق بيانات ومبادرات، كفرنسا والولايات المتحدة الأميركية والسعودية والإمارات...
يقود ذلك إلى وجود نوعين من التضامن مع لبنان:
الأول: «التضامن المشروط»، والذي يُخفي منفعة سياسية للدولة المانحة، لخدمة أجنداتها الخارجية، وبالتالي الاستثمار في الكارثة لتحقيق هدف سياسي. كان ذلك واضحاً من خلال الهبّة الغربية لـ«مساعدة لبنان» والتي أتت مترافقة مع شروط سياسية كما عندما تحدّث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ضرورة إرساء عقد سياسي جديد وتشكيل حكومة جديدة والشروع في تنفيذ الإصلاحات، وإلا لن تمرّ المساعدات الغربية عبر القنوات الرسمية. الإمارات والسعودية ربطتا أيضاً المساعدات بموقف الدولة اللبنانية من حزب الله، وتطبيق القرارين الدوليين 1559 و1701. المواقف المتقاربة، قدّمت خريطة تفصيلية لتوجهات أنظمة تتقاطع مصالحها وأجنداتها مع الدولة اللبنانية في أكثر من مسار، ما يُفسّر حالة الزخم الدولي الشديد تجاه الانفجار. وقد تجلّت في اليومين الماضيين، مع نشر فرنسا وبريطانيا بوارج حربية في لبنان واستقدام جنود، تحت غطاء «أعمال إغاثة».
الثاني: نقيض الأول، وهو التضامن الإنساني الناتج عن الرغبة والمساعدة الحقيقية، انطلاقاً من دافع أخلاقي بحت. هذا النوع، وعلى قلّته، وُجد في العالم مرّات عديدة، مثل الموقف الكوبي المتكرّر لدى حدوث أيّ أزمات إنسانية، وكوارث طبيعية.
في الحالة اللبنانية، سارع العراق منذ لحظة وقوع الانفجار إلى تقديم يد العون إلى لبنان، عبر إرسال مستشفى ميداني، و22 صهريجاً محمّلاً بالمازوت وصلت عبر الحدود السورية، وستستمرّ بغداد في إرسال شحنات المازوت طيلة مدّة الأزمة، على أن تكون أول ثلاثة أشهر مجانية، ويتم بعدها الاتفاق على آلية تسديد، وإرسال شحنات من القمح.
كان الموقف العراقي هو الأسرع بين المواقف الدولية تجاوباً مع كارثة لبنان، فبعد ساعات قليلة من الحادث أصدر رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي قراراته بتقديم المساعدات للبنانيين. الموقف العراقي أتى بعد أن عاش العراقيون طوال السنين الماضية مآسي إنسانية وسياسية واقتصادية، بدءاً من الاحتلال الأميركي عام 2003، مروراً بالحرب مع تنظيم «داعش»، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المزري الذي يعيشه العراق اليوم، والذي وصل إلى حد الجوع والفقر الشديدين. العراق يعرف حجم الوجع، وهول الكارثة التي سبّبها انفجار المرفأ.
الأمر نفسه ينطبق على قطاع غزة الذي يظهر البُعد الإنساني في مُساعدته أكثر. يوم الأربعاء الماضي، شارك العشرات فيه في حملة تبرّع بالدم للمصابين في الانفجار، ونظّموا وقفة تضامنية مع لبنان، رغم الحصار والظروف الصعبة التي يفرضها العدو الإسرائيلي على أهالي القطاع، في رسالة معنوية لافتة.
بنغلاديش وباكستان قدّمتا أيضاً موقفاً إنسانياً بارزاً من خلال إسراعهما إلى تقديم العون إلى بيروت، وإرسال الأولى إمدادات غذائية وطبية عاجلة، إضافة إلى فريق طبي لمداواة مصابي التفجير، والثانية ثمانية أطنان من المساعدات متمثّلة في الأدوية والمواد الغذائية للتضامن مع ضحايا الانفجار.
بنغلاديش التي عايشت كوارث طبيعية عدّة على مدى عقود، آخرها تعيشها اليوم، مع غرق 25% تقريباً من أراضيها بسبب الفيضانات الموسمية التي تغزوها، وموت أكثر من 129 شخصاً جرّاء أمراض سبّبتها هذه الفيضانات، وتُعتبر الأسوأ منذ عام 2004، لم تتردد في معاونة لبنان في مصابه، رغم حاجتها اليوم إلى التضامن وافتقارها له. بنغلاديش ليست الدولة الوحيدة التي طالتها الفيضانات الموسمية الآن، بل تشاركها نيبال وأجزاء من الهند. «على قدّهما» كانت المساعدة. نيبال والهند وكوبا، لم تمنعهم مشاكلهم من الوقوف معنوياً إلى جانب لبنان.

هم أيضاً ساعدوا
أبرز الدول التي قدّمت مساعدات إلى لبنان من دون أن تلقى اهتماماً كبيراً، هي:
- المغرب: مستشفى عسكري ميداني مؤلف من 100 فرد، وأكثر من 300 طنّ من المساعدات الطبيّة والغذائيّة. و18 طائرة أرسلتها المغرب إلى لبنان.
- الجزائر: 4 طائرات وباخرة تحمل مساعدات إنسانية وفرقاً طبية ورجال إطفاء وأغذية ومواد بناء.
- تونس: طائرتان تحملان مساعدات غذائية وطبيّة، وتم نقل 100 جريح للعلاج في تونس.
- أرمينيا: طائرة تحمل مساعدات طبية وجراحية وأدوية.
- أذربيجان: مليون دولار كمساعدة طارئة.
- باكستان: 8 أطنان من الأدوية والمواد الغذائية.
- المجر: مليون يورو مساعدات إنسانيّة.
- الدنمارك: حزمة مساعدات بقيمة 1.6 مليون يورو و600 بدلة حماية