لم تنته المأساة. ملف المفقودين والضحايا لم يُقفل بعد، لكن بالتوازي حان وقت إحصاء الأضرار ومواجهة النكبة. الأمر قد يحتاج إلى أشهر، فحجم الدمار هائل، ومسار التعويضات طويل. ولأن التفجير أدى إلى مأساة إنسانية لم يشهدها العالم منذ عقود، ولأن لبنان دولة مفلسة، ولأن العدد الضخم للجرحى أفقد القطاع الصحي قدرته على المواجهة، كان التضامن العالمي استثنائياً. عشرات الدول سارعت إلى تقديم المساعدة. لم يهدأ مطار بيروت أمس. حركة طائرات المساعدات لم تتوقف. وهي، على الأرجح، ستستمر لأسابيع. هذا تحدّ آخر على الحكومة أن تواجهه. تنظيم وصول المساعدات وتوزيعها مهمة دقيقة بدأ الجيش تولّيها. أمس تردّد أن إشكالاً نشب بين الجيش ووزارة الصحة على خلفيّة الجهة التي يفترض أن تتسلم المساعدات الطبية. لكن مصادر الوزارة نفت وقوع ذلك، وقالت إن وزارة الصحة لا تملك أساساً مستودعات، بعد الدمار الذي لحق بالكرنتينا، وبالتالي كان طبيعياً أن يتولى الجيش تسلّم الشحنات ونقلها إلى مستودعاته، على أن يتم لاحقاً التواصل بين الوزارة والجيش لتنسيق آلية توزيع المساعدات.

الجميع استجاب لنداء الحكومة اللبنانية. الجامعة العربية طالبت أيضاً الدول العربية والمجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية العربية والعالمية بالإسراع في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للبنان. لكن مع ذلك، قد تكون الخسائر أكبر بكثير من كل المساعدات المنتظرة. إلا أن المأساة كسرت بعض الحواجز السياسية التي رفعت في وجه حكومة حسان دياب. فبعد وزير الخارجية الفرنسي الذي كان أكبر مسؤول يزور لبنان في عهد الحكومة الحالية، يصل اليوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لساعات متضامناً. وفيما بدا كأنه طيّ لصفحة التوتر الذي نشأ على خلفية انتقاد دياب لزيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، اتصل الرئيس الفرنسي برئيس الحكومة متضامناً، فيما اكتفى لودريان بالتواصل مع نظيره شربل وهبة، مشيراً إلى أنه «يعرف لبنان، واللبنانيون في إمكانهم الاعتماد على فرنسا في هذه الأوقات الصعبة».
الاتصالات التضامنية وصلت من كل حدب وصوب، أبرزها من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي أعلن عن مساعدات ستصل في الأيام المقبلة. كما وردت اتصالات من مسؤولي معظم الدول العربية إلى المسؤولين اللبنانيين. وحدهما السعودية والإمارات حرصتا على عدم التواصل مع دياب، مع تأكيدهما التضامن الكامل مع الشعب اللبناني في مصابه، وأرسلت الإمارات طائرة مساعدات، فيما طالب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بتحرك دولي فوري لمساعدة لبنان على مواجهة الكارثة المروعة.

الجيش يتولى مسؤولية تسلّم المساعدات وإحصاء الأضرار


المساعدات جزء من أدوات التعافي. لكن الجهد الأكبر مطلوب من الحكومة. تعافي الجرحى وإقفال ملف المفقودين أولوية. التعويض على الناس المشردين من منازلهم أو المتضررين من الانفجار خطوة لا بد أن تنطلق. وقد قرر مجلس الوزراء، المرتبك، أن يتولى الجيش مع الهيئة العليا للإغاثة إجراء مسح فوري وشامل للمناطق المنكوبة والمتضررة، تمهيداً للمباشرة في دفع تعويضات عاجلة إلى المستحقين بحسب الأولويات. وكلّف الهيئة العليا للإغاثة تأمين إيواء العائلات التي لم تعد منازلها صالحة للسكن، والتواصل مع وزارة التربية لفتح المدارس لاستقبال هذه العائلات، ومع وزير السياحة لاستعمال الفنادق لهذه الغاية، أو لأي غاية مرتبطة بعمليات الإغاثة.
وإلى حين إنجاز المطلوب من الحكومة داخلياً، إن كان في إنجاز التحقيق في أسباب الانفجار، أو في مواجهة تبعاته، شهد مطار بيروت حركة كثيفة لطائرات تحمل المساعدات؛ فوصلت طائرة قطرية كجزء من جسر جوي يحمل مساعدات وإمدادات طبية عاجلة ومستشفيين ميدانيين سعة كل منهما 500 سرير، وطائرة مساعدات طبية من الكويت، وطائرة إماراتية محمّلة بـ٣٠ طناً من الإمدادات الطبية، وطائرة عراقية على متنها جراحون ومواد طبية، وطائرة إيرانية أولى محمّلة بمساعدات مقدمة من جمعية الهلال الأحمر في إيران، وعلى متنها فريق طبي مؤلف من جراحين واختصاصيين، ومستشفى ميداني (RDH)، فضلاً عن كمية من المساعدات الإنسانية والأدوية. كذلك وصلت طائرتا هليكوبتر قبرصيتان على متنهما فرق إنقاذ وبحث، وطائرة يونانية محمّلة بمساعدات. وأرسلت فرنسا 3 طائرات تحمل مساعدات يفترض أن تخصّص لعلاج 500 جريح على الأقل.
وطلب الرئيس التونسي قيس سعيّد إرسال طائرتين عسكريتين محمّلتين بالمساعدات الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، واستقدام 100 من جرحى الانفجار إلى تونس للعلاج. وأعلنت السفارة البريطانية أن لندن رصدت نحو ٥ ملايين جنيه استرليني من المعونات الإنسانية العاجلة لمساعدة من تضرّرت بيوتهم بسبب الكارثة. وعرضت تقديم دعم معزز لقوات الجيش اللبناني يشمل توفير مساعدات طبية مخصصة للاستجابة، ومساعدة في النقل الجوي الاستراتيجي ودعماً هندسياً في مجال الاتصالات. وأعلن عمدة باريس آن هيدالغو منح مساعدات بقيمة مئتي ألف يورو للمتضررين بواسطة الصليب الاحمر. وأرسلت عمدة مرسيليا ميشيل روبيرولا وحدة مختصة بالدفاع المدني والإسعافات الى بيروت على متن رحلة خاصة.
وأبدت وزيرة خارجية إندونيسيا، رتنو مرسودي، في اتصال مع دياب، استعداد بلادها لإرسال مساعدات عاجلة للبنان. وأوعز الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى سفير بلاده، أشرف دبور، بوضع الإمكانات الفلسطينية كافة في تصرّف لبنان. وأعلنت منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة عن مساعدات للبنان.