بحسب أكثر من مصدر مُطّلع على لقاءات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان مع المسؤولين اللبنانيين، تناول الضيف (من ضمن حديثه عن الإصلاحات) موضوع «الشراء العام» (أو الصفقات العمومية) إلى جانب الكهرباء والقضاء وصندوق النقد الدولي. ملف «الشراء العام» هو اقتراح قانون تدرُسه اليوم لجنة فرعية برئاسة النائب ياسين جابر، وتنقسم حوله الآراء بينَ من يعتبره «استهدافاً» لإدارة المناقصات، ومن يراه الوسيلة الوحيدة للحدّ من الفوضى والفساد في عمليات الشراء لحساب الدولة. لكن ما لا يُمكن الخلاف حوله هو الخلل الذي أصاب هذه العمليات، وغياب الشفافية وإرساء منطق المحاصصة في عمليات التلزيم، فضلاً عن صفقات «التراضي» المشبوهة والمحسوبيات والتي نتجَ منها فشل ذريع في التنفيذ، فباتَت الحاجة مُلحّة الى قانون جديد للمشتريات العمومية أو التوريد العام أو الصفقات العمومية. لكن، هل اقتراح القانون الموجود في يد اللجنة بصيغته الحالية هو كافٍ ويؤمّن الشفافية؟ وما هي ملاحظات إدارة المناقصات التي يُشارك رئيسها جان العلية في الجلسات؟

يصِف أكثر من نائب في اللجنة، التي تضم كلاً من: أمين شري، ألان عون، جهاد الصمد، سمير الجسر، جورج عقيص، محمد الحجار ورولا الطبش (التي تحضر أحياناً)، بأن قانون الشراء العام الذي ينظّم كل ما تشتريه الدولة اللبنانية هو «أكثر من ضروري»، وخاصة أن كل المعنيين بالتمويل، داخلياً وخارجياً، يرون أن هناك خللاً في منظومة الشراء. وقد نصّت البيانات الوزاريّة المتعاقبة والخطة الإصلاحيّة الأخيرة (2020) على ضرورة تحديث وإصلاح عمليّة الشراء العام. يؤكد نواب في اللجنة أن القانون لا يلغي إدارة المناقصات، بل على العكس هو يعزز دورها من خلال تحويلها إلى هيئة مستقلة. فالمادة ٧٤ من القانون تنصّ على استبدال تسمية إدارة المناقصات بإدارة الشراء العام، وتلحق (إدارياً، وحسب) برئاسة الحكومة وتكون مستقلة استقلالاً كاملاً. ولا تخضع الإدارة لرقابة التفتيش المركزي ولا مجلس الخدمة المدنية، لكنها تخضع لرقابة ديوان المحاسبة اللاحقة في ما يتعلق بالأعمال المالية. ومن مهامها، بحسب المادة ٧٥ جمع خطط الشراء السنوية الواردة من الجهات الشارية وفق نموذج موحد، ومراقبة وتقييم قوانين وقواعد الشراء العام وتنظيم تقارير ورفعها الى رئاسة الجمهورية ومجلس النواب.
ومن النقاط الإيجابية التي تحدث عنها النواب، تأليف لجان للتلزيم تتولى دراسة ملفات التأهيل المسبق وفتح تقييم العروض، وتحديد العرض الأنسب. وأهم ما فيه أنه يشمل «صفقات الدولة على اختلاف أنواعها، إن كانت عائدة إلى مؤسسة عامة أو بلدية أو أشخاص القانون العام المولجين إدارة مرفق عام والشركات الخاصة التي تتولى المرافق العامة». ويسمح لإدارة الشراء العام «بالتدخل فوراً لوقف أي عملية شراء غير مطابقة للمعايير، ويسمح لها بالمساءلة».
القانون المقترح الذي أعدّه معهد باسل فليحان التابع لوزارة المالية (تشارك رئيسته لميا المبيض وفريقها في الجلسات)، لم تؤيده إدارة المناقصات بالمطلق، وكانت لها ملاحظات كثيرة تقدّم بها العلّية إلى اللجنة. هو يعتبر أن القانون «في حال أقرّ بصيغته الحالية ستكون هناك مشكلة»، لافتاً إلى العديد من الملاحظات التي وضعت بينَ يدَي النواب «ويتعامل معها رئيس اللجنة بإيجابية». يرى العليّة أن «المقترح المعروض يُحجّم دور إدارة المناقصات، ويُعظِّم دور الوزراء، علماً بأن الوزراء غير خاضعين للمساءلة الإدارية، ويضرب مبدأ التلازم بين الصلاحية والمسؤولية».
كما أن القانون المقترح «مخنوق بصدور أكثر من 10 مراسيم عن السلطة التنفيذية، علماً بأن القوانين التي ترتبط بمراسيم عادة لا تُطبَّق مثل قانون إنشاء المحاكم الإدارية، وقانون حق الوصول الى المعلومات وسواهما».
وعلقت دائرة المناقصات على ما نصّ عليه المقترح من نوع جديد من الصفقات اسمه الصفقات الحوارية التفاوضية، معتبرة أن «أثره السلبي يتعدى - بغياب الرقابة والضوابط - الأثر الناتج من الاتفاقيات الرضائية، ولا يؤمن العدالة والشفافية التي ينظر إليها المستثمرون في لبنان قبل اتخاذ قراراتهم».

إدارة المناقصات سلّمت اللجنة ملاحظاتها على المقترح وثمّة تجاوب معها


أما أغرب ما في القانون المقترح، بحسب إدارة المناقصات، أنه يُحيل الى مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء لتحديد الصلاحيات المالية والإدارية التي يمارسها رئيس إدارة الشراء العام. إذ ليس من المألوف أن يحدد مجلس الوزراء صلاحيات إدارة رقابية، فتحديد كهذا ينطوي على تفويض ضمني بالتشريع. «فلماذا لا يُعطى رئيس إدارة الشراء العام الصلاحيات المالية والإدارية التي يمارسها رؤساء هيئات مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والهيئة العليا للتأديب»؟ وهنا تعتبر الإدارة أن السؤال يُصبح مشروعاً عما إذا كان إعطاء إدارة الشراء العام بالنص، الاستقلال الوظيفي الكامل، تم تعطيله في الواقع بتحديد صلاحيات رئيسها الإدارية والمالية بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء؟ وبحسب ملاحظات إدارة المناقصات أيضاً، فإن القانون المقترح «يحوّلها من جهة رقابية إلى جهة رصدية. والراصد يملك حصراً حقّ إصدار التقارير»، وهو «يخلو من رقابة خارجية على الإجراءات، ويرحّل الرقابة الداخلية الى حين صدور مراسيم مجلس الوزراء، كما لا يعطي إدارة الشراء العام أي مهمة رقابية، فالاستثناء عن القاعدة لا يُعرض عليها حتى لإبداء الرأي». كما لا يتضمّن أي آلية تلزم الجهات المشترية توفير المعلومات اللازمة لإدارة الشراء العام حتى تتمكن من القيام بدورها الرصدي، ولا يعطي الاستقلالية الوظيفية لإدارة الشراء العام ويربط صلاحيات رئيسها بالسلطة التنفيذية».
أما بخصوص رقابة ديوان المحاسبة، فتعتبر إدارة المناقصات بأنها «لا تغطّي كل المراحل الإجرائية بشكل متزامن لأنها تأتي بعد إرساء التلزيم المؤقت، فتكون عملياً لاحقة لإجراء التخطيط وتحديد الحاجات وإعداد دفاتر الشروط الخاصة والإعلان عن المناقصة واستقبال العروض». وهذا يعني أن «النظام المقترح يغيّب دور إدارة المناقصات الرقابي المسبق على المراحل الإجرائية للصفقات العمومية ومن دون أن يعطي هذه الصلاحية لأي جهة خارجية أخرى، ما يعني أن احتمالات الفساد والمنازعات ستتزايد عن تلك القائمة في ظل النظام الحالي»!
بكل الأحوال، لا يزال القانون المقترح قيد الدرس في اللجنة التي وصلت في نقاشها إلى المادة ٢٧ من أصل ٩٣ مادة، بحسب النواب الذين أكدوا «إمكانية إدخال المزيد من التعديلات، وخاصة أن كل الجهات المعنية تحضر الجلسات وتُشارِك في النقاش».