بعد جلسة مجلس الوزراء، أكّدت وزيرة المُهجّرين غادة شريم المُضي في التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، «وفي الجلسة المُقبلة نُقرّر أي شركة نعتمد بناءً على تقرير أمني». لم يعد سرّاً أنّ الاتجاه هو على تكليف شركة FTI الأميركية بالتحقيق، رغم كلّ علامات الاستفهام التي تُطرح حول عملها وموظفيها، ولا سيّما علاقاتها مع «إسرائيل» (راجع «الأخبار»، عدد الثلاثاء 7 تموز). فلشركة FTI ثلاثة مكاتب في الشرق الأوسط: واحد في قطر والثاني في الإمارات العربية المتحدة، والثالث في «إسرائيل». والرئيسة التنفيذية لقسم التكنولوجيا في الشركة (المؤلف من 29 مكتباً في 6 بلدان)، صوفي روس، كانت تعمل في الاستخبارات الإسرائيلية، وتحديداً في قسم الاستخبارات التابع لسلاح البحرية. وهي حاصلة على بكالوريوس العلوم في الهندسة الصناعية من جامعة تل أبيب. عملت شركة التدقيق سابقاً لمصلحة شركة «إسرائيل للكيماويات» (ICL) لمعالجة قضايا اقتصادية ومالية متعلقة بنظام الضرائب والملكية في «إسرائيل»، وقدّمت أحد تقاريرها للجنة شكّلتها حكومة العدو لفحص تصدير الغاز من الكيان الصهيوني. وفي عام 2013، واجهت FTI اتهامات بتسريب معلومات من قبَل مجموعة BSGR، التي يملكها الملياردير الإسرائيلي بيني شتاينميتز، حول عملها في غينيا، لمصلحة الملياردير جورج سوروس، الذي كان مقرّباً من رئيس غينيا ألفا كوندي.

كلّ ذلك أصبح مفهوماً، ويُفترض أن يرد في التقرير الأمني الذي سيُسلمه الأمن العام لرئاسة الحكومة. إلا أنّ المُضحك في القصة، أن تكون الـ«FTI» موجودة أصلاً داخل مصرف لبنان، مُطلعة على عمله وبعض أسراره، وتربطها علاقات مع موظفين فيه... ومع الحاكم رياض سلامة. الشركة التي يُراد لها أن تُدقّق جنائياً في حسابات مصرف لبنان، تربطها بالأخير علاقة عقد عمل، وتحديداً في شقّ العلاقات العامة والاتصالات الاستراتيجية. وقد ساهمت في الترويج لصورة سلامة كـ«الأفضل في العالم».
الموظف في الـ «FTI»، نيل دويل هو صلة الوصل بين الشركة وبين المصرف المركزي. فعلى الموقع الإلكتروني لشركة التدقيق، نُشرت السيرة الذاتية لنيل دويل، وعُرّف عنه بأنّه من كِبار المدراء الإداريين في الشركة، وعضو في فريق التواصل الاستراتيجي ومقرّه لندن. يتمتع دويل «بخبرة عالمية واسعة في مجال العلاقات العامة والمؤسسية المالية وعلاقات المستثمرين، وامتدت من هونغ كونغ إلى لندن ودبي». وقد عمل كثيراً على تقديم الاستشارات العليا للشركات والمؤسسات الحكومية في مجالات استراتيجية السمعة والاتصالات المالية وإدارة القضايا وعلاقات المُستثمرين ووسائل الإعلام...
يعمل نيل دويل على قرابة الـ15 ملفّاً، ما يُفترض أن يلفت نظر الحكومة اللبنانية منها، هو أنّ نيل دويل عمل مع المصرف المركزي اللبناني على استراتيجيته الإعلامية والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية، حول قضايا لها علاقة بالاقتصاد الكلّي، والتسويق لـ«مبادرة التكنولوجيا المالية»، التي كانت تُشرف عليها «المستشارة التنفيذية الممتازة» لحاكم «المركزي»، ماريان الحويك (راجع «الأخبار»، 8 نيسان 2020). فكيف ستتعامل الحكومة مع هذا «التفصيل» الأساسي؟