استقالة المدير العام للمالية العامة ألان بيفاني ليست مجرّد اعتراض أو احتجاج من موظّف على ممارسات ربّ عمله، بل هي تعبير عن اتجاه ميزان القوى في معركة توزيع الخسائر. فالضربات الأولى الناجمة عن خطّة الحكومة التي أشرف على إعدادها بيفاني، لتحديد الخسائر وآلية توزيعها بالحدّ الأدنى من العدالة، أدّت إلى تشتيت أركان «حزب المصرف» بين مؤيّد للانخراط في برنامج مع صندوق النقد الدولي، وبين معارض له بلا بديل واضح. حتى الرأس المدبّر، أي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لم يكن يملك بديلاً واضحاً رغم معارضته الواضحة لخيار الصندوق. فهو في ذلك الوقت، كان (ولا يزال) رمز هذه الخسائر التي قدّرتها الخطّة بنحو 241 ألف مليار ليرة، وكان مشغولاً بمعركة البقاء حاكماً في مصرف لبنان.

الصراع على إطاحة رأس النظام المالي، أي سلامة، تحوّل إلى مادة سجال سياسي ــــ شعبوي يومي ركيزته الأساسية انتقاد الخطّة الحكومية من باب تضمينها اقتطاعاً من الودائع وتحويل جزء من هذا الاقتطاع إلى مساهمات في ملكيات المصارف التي ستنشأ بعد شطب رؤوس أموالها كاملة وإعادة هيكلتها. كان رأي فريق الحكومة أنه لا مفرّ من «الهيركات» (الاقتطاع) على الودائع استناداً إلى الممارسات الدولية التي يؤيدها صندوق النقد الدولي. تفرض هذه الممارسات عدم تمويل الخسائر بواسطة طبع النقود (المال العام).
في المقابل، عمّمت قوى السلطة أن الهيركات يؤدي إلى شطب أموال المغتربين. كذلك روّجت بأن شطب الخسائر عبر شطب الودائع أو تحويلها إلى مساهمات في رساميل المصارف المفلسة، سيؤدي إلى تغيّر جذري في بنية ملكية المصارف من طرف طائفي مهيمن حالياً إلى طرف آخر عرضة للعقوبات.

ما كان يقلقهم في خطّة بيفاني أنه اندفع في اتجاه «كُحْل» صندوق النقد لتجنّب «العمى» الذي تسبّبه قوى السلطة


بمعزل عن الجدل الذي أثارته هذه الفكرة، إلا أنها أتاحت لقوى السلطة إعادة إنتاج جبهة متماسكة بذريعة رفض الهيركات لأنه سيشعل ثورة شعبية. الخديعة التي يصعب تصديقها أن هؤلاء المودعين الأثرياء سيشعلون ثورة!
تزامن هذا الأمر مع مرحلة إقفال وتعبئة عامة بسبب «كورونا»، ما أفسح المجال أمام قوى السلطة، في التقاط أنفاسها. وفي ذلك الوقت، لم تعد التحرّكات الشعبية مقنّعة أو عفوية كما كانت في الفترة الأولى التي تلت 17 تشرين الأول 2019. بل أصبح لها هوية سياسية وطائفية واضحة تسمح بالسيطرة عليها والتعامل معها. وبالتالي لم يعد الخوف قائماً من ثورة شعبية محفّزة بالخوف من المستقبل والقلق من الجوع، بل ستكون إحدى أدوات اللعبة المعتادة ضمن إطار الشعارات السياسية والمشاريع المختلفة التي يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي.
وعلى وقع قفزات ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، انبثقت من لجنة المال والموازنة لجنة تقصّي حقائق هدفها الوحيد إعادة احتساب الخسائر. وتحت ستار «الحوار» مع الأطراف المعنية بالخسائر، أعيد إنتاج مفهوم جديد لآلية التوزيع بعيداً من الآليات التي اقترحتها الخطّة الحكومية التي أشرف على إعدادها بيفاني. فاستمعت اللجنة إلى سلامة وجمعية المصارف، وتبنّت رأيهما انطلاقاً من أن تحديد الخسائر يحدّد آلية التوزيع. وعندما لاحت «تباشير» أرقام اللجنة التي تشير إلى أن الخسائر بقيمة 77 ألف مليار ليرة لا 241 ألف مليار. وأن هذا المستوى من الخسائر لن يطيح كل رساميل المصارف البالغة 22 مليار دولار، ولن يؤدي إلى الاقتطاع من الودائع…
في تلك اللحظة، انتهى الصراع. التعبير الأبرز عن هذه النهاية ورد على لسان رئيس مجلس النواب نبيه برّي بعد اجتماع قمّة في قصر بعبدا:
ــــ الاتفاق على مخاطبة صندوق النقد الدولي بلغة واحدة.
ــــ الاتفاق على خفض قيمة الدولار إزاء العملة اللبنانية، وصولاً إلى 3200 ليرة ابتداء من اليوم (12 حزيران).
ــــ عن إقالة حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، قال: نحن الآن بحاجة لكل الناس وليس للاستغناء عنهم.
بهذه اللحظة، عاد ميزان القوى ليميل في اتجاه قوى السلطة. حماية المدير التنفيذي، هو أمر تقوم به قوى السلطة بشكل تلقائي، لأن سقوطه يعني سقوطها. والتعبير الأدلّ على اتجاه ميزان القوى، هو تلك المصالح التي جمعت المتصارعين سياسياً: من التيار الوطني الحرّ إلى حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل وتيار المردة وتيار العزم… فهذه القوى وغيرها، هي الممثّلة بلجنة تقصّي الحقائق، وقد أتيح لها فرصة التفاوض مباشرة مع صندوق النقد الدولي في جلسة لم يحضرها إلا ثلاثة نواب: إبراهيم كنعان، ياسين جابر ونقولا نحاس.
ما كان يقلقهم في خطّة بيفاني أنه اندفع في اتجاه «الكُحْل» للحماية من «العمى». فاللجوء إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، على رغم ارتفاع مخاطر تداعياته الاجتماعية، إلا أنه كان الطريق الوحيد لفرض الإصلاح على قوى السلطة. كان السبيل الوحيد لتجنّب «العمى». وهذه القوى تمارس اليوم بعضاً من سطوتها للقول إن توزيع الخسائر بيدها فقط، وإن مدخله الأساسي مجلس النواب حيث يتوجب لزاماً مرور كل مشاريع القوانين التي تتعلق بالإتفاق مع صندوق النقد الدولي وكل الإصلاحات التي سيقوم بها لبنان.

يدفع مصرف لبنان أكثر من 1100 مليار ليرة شهرياً لتسديد دولارات المودعين


ما كان يحاول بيفاني تجنّبه، يبدو أن حاصلٌ حاصل. ففي الوقت الذي يتفاوض فيه صندوق النقد الدولي مع فريق الحكومة على تحديد الخسائر وآليات توزيعها والإصلاحات وخطط المستقبل للنموّ واستعادة الثقة، يواصل المدير التنفيذي لقوى السلطة تنفيذ الخطّة التي نهاه عنها صندوق النقد الدولي: طبع الليرة لشطب الدولارات التي استدانها من المصارف التي استدانتها بدورها من المودعين. شهرياً، يدفع مصرف لبنان أكثر من 1100 مليار ليرة لتسديد دولارات المودعين في المصارف عبر تعاميم تنظّم السحوبات المقيّدة بضوابط غير نظامية وغير شرعية. تسعيرة كل دولار مودع في المصارف كانت تبلغ 3000 ليرة، لكنها ارتفعت أمس إلى 3850 ليرة. تدريجاً، اقترب سعر الدولار المصرفي من 4000 ليرة في المصارف و8000 ليرة خارجها. بين كانون الثاني 2020 و15 حزيران 2020 ازدادت قيمة الكتلة النقدية قيد التداول بنحو 6726 مليار ليرة. هذه الكتلة ستبقى تتضخّم كلما تمكّن مصرف لبنان من تحرير أموال أكثر من الالتزامات المترتبة عليه بالدولار للمصارف. وهذه الأخيرة ستتمكن من تحرير قسم أكبر من التزاماتها تجاه المودعين بسعر صرف بعيد عن سعر الصرف الفعلي في السوق. إنه «هيركات» مباشر على ودائع الناس، لكن المشكلة فيه أنه يشعل تضخّم الأسعار، ما يعني أنه هيركات على المداخيل أيضاً. كل المقيمين في لبنان سيدفعون ثمناً غالياً لإطفاء الخسائر بهذه الطريقة. قالها صندوق النقد لسلامة في أحد اللقاءات: هذه الطريقة في إطفاء الخسائر سترفع سعر الدولار إلى 10 آلاف ليرة و20 ألف ليرة. بهذه الطريقة، سيصبح الشعب رهينة الجوع، وسيصبح شراء الولاءات أرخص وأسهل. وبهذه الطريقة أيضاً، ستتمكن قوى السلطة من «قشّ» الأملاك العامة بأرخص الأثمان… هذه هي الخطّة التي استقال بيفاني اعتراضاً عليها.