على حسان دياب أن يقلق. لقد خرج رجلان من مكتبه طوعاً أو غصباً أو دفعاً. لكنهما خرجا محبطين من العجز. عندما يخرج أحمد جشي وألان بيفاني من الفريق، فهذا سبب كاف للقلق!

على حزب الله أن يقلق أيضاً. لقد تعب إصلاحيون حقيقيون من المناورة والمراوغة السائدة في مكاتب القرار. عندما ينتصر رياض سلامة على أحمد جشي وألان بيفاني، فهذا سبب كبير للقلق أيضاً!
على ميشال عون أن يعيد النظر في حساباته الاجمالية. عندما يفقد موظفون من فئة المثابرين غير الفاسدين ثقتهم بالدولة، فهذا جرس إنذار كبير له، بأنّ ما يقوم به فريقه في الحكومة ومجلس النواب بات مدعاة للقلق أيضاً!
أما البقية، كل البقية، فلها أن تفرح وترفع الكؤوس احتفالاً بالضحايا الجدد لمسيرتهم الحافلة بكل أنواع الجرائم. ولهؤلاء، الذين يتوزّعون المقاعد الوزارية والنيابية والسياسية والحزبية والاقتصادية والمصرفية والاعلامية، أن يفرحوا، لكن ليحفظوا هذا التاريخ جيداً، حيث لا شكل لانتصارهم سوى مشاهد الخراب والدمار والدماء والدموع!
يحصل كل ذلك، فيما تريد محاكم التفتيش التي أقامها زعران الطغمة الحاكمة النيل من قاض لأنه قرّر الاجتهاد ضد معلمهم الأكبر. يحصل ذلك، ومجلس القضاء الاعلى الذي كرّس مخالفة الدستور باعتماد التوزيع الطائفي والمذهبي للمواقع القضائية، يتفرج على الجمود في عمله، بينما يهتم بمساءلة محمد مازح لأنه قال بأنه يمكن مساءلة سفيرة الارهاب في لبنان. ويحصل ذلك، بينما يصمت أعضاء نادي القضاة الذين «هلكونا» بالشفافية والحصانة والنزاهة، وها هم يصمتون وكأنهم بلعوا ألسنتهم.
هذا هو مشهد لبنان اليوم. مشهد فريق المجرمين والسارقين يريد العودة للاستيلاء على كل شيء في البلاد. في الدولة ومؤسساتها، وفي القطاع الخاص وودائع الناس وخيراتهم. مشهد القتلة الذين يبكون على التعب والقهر، وكأنهم كانوا سجناء مقهورين، ولم يحكموا البلاد والعباد منذ 45 سنة من دون توقف، ولم يرموا بأجيال من اللبنانيين في نار الحروب أو تهلكة الهجرة.
ماذا حصل؟
يوم تألفت حكومة الرئيس حسان دياب، كان واضحاً أن مهمة التصدي للأزمة المالية والنقدية هي في رأس الأولويات. ظهرت فرصة جدية، مستندة الى مزاج البلاد الذي قام بعد انتفاضة 17 تشرين، للقيام بعمل علمي وجدي وصحي. وكان على رئيس الحكومة الجديد إظهار جديته، ليس فقط من خلال فتح باب العمل من دون توقف، بل في اللجوء الى أصحاب خبرات ومعرفة ودور وتجربة لوضع خطة الحكومة. وكان الفريق المعني من داخل الإدارة يملك ما يكفي من المعطيات والخبرات، وعلى رأس هؤلاء وقف ألان بيفاني. وقد منحه رئيس الحكومة، بعد رئيس الجمهورية، الثقة لتولّي مهمة مركزية، تقوم أساساً على مبدأ «الجردة» التي تتيح تحديد الخسائر قبل الذهاب الى طريقة توزيعها بصورة عادلة على جميع اللبنانيين، أو الشروع في خطة إنقاذ ولو طويلة الأمد. وقد عمل بيفاني مع عدد من الموظفين على إعداد الارقام الضرورية لمناقشة أي توجه وأي قرار.

خطة الحكومة التي لعب بيفاني دوراً كبيراً فيها قالت بوجوب تحديد الخسائر بصورة دقيقة بعيداً عن مناورات رياض سلامة


لنتجاوز مرحلة من العمل خلال أسابيع طويلة، الى حين الوصول الى أساس لخطة تسمح للحكومة بالتوجه صوب من يساعد على تجاوز الأزمة. هنا وقع الخلاف. ليس بين القوى المتنافسة فقط، بل داخل الفريق العامل الى جانب رئيس الحكومة. ربما لم يكن أحمد جشي موافقاً تماماً على ما يقوم به الفريق الذي يقوده ألان بيفاني. لكنّ الرجلين اتفقا على مبدأ أساسي، وهو تحديد واضح ودقيق لهوية المسؤولين عن الجريمة، وأن هؤلاء يجب أن يتحملوا ما عليهم في هذه المرحلة. واتفقا، أيضاً، على ضرورة وضع إطار يفرض المحاسبة على كل من تورط في هدر أو سرقة المال العام. وإذا كان الخلاف بين الفريق الحكومي حول طريقة التعامل مع الآخرين، من خصوم أو حلفاء، فإن الفكرة عادت لتتوقف عند من بيده القرار.
في هذه اللحظة، كانت الحكومة تمضي قدماً في خطتها المالية. وقرار التفاوض مع صندوق النقد الدولي انطلق بحسب رأي تبنّاه بيفاني، بخلاف آخرين، يقوم على أن العصابة التي سرقت البلاد قوية الى درجة تحتاج المعركة معها الى أدوات كبيرة وقوية. وإذا كان متعذراً الرهان على قوى داخلية تقوم بالأمر، فإن لبنان سيكون عليه الاختيار بين السيّئ والأسوأ. السيّئ هو اللجوء الى منظمة دولية مثل صندوق النقد، والأسوأ هو الانهيار التام. وكانت الفكرة تأخذ في الاعتبار أن صندوق الوقت يملك شرعية ما، ونفوذاً عالمياً كبيراً، وتقف خلفه جهات قادرة، ما يسمح باستخدامه كعصا غليظة في وجه العصابة، حتى ولو كانت كلفته باهظة على عموم الناس. لكن فكرة بيفاني، ومعه بعض الفريق الحكومي، تقوم على فكرة أن لصوص لبنان يخشون بقوة القوة القاهرة الدولية، وأن مجرد طرح استعادة الأموال المهربة أو المنهوبة، وطلب مساعدة الخارج لتحقيقها، سيدفعان بالعصابة الى التصرف بطريقة مختلفة. وهو ما حصل فعلياً، عندما بدأ البحث مع صندوق النقد، مباشرة أو من خلال شركة لازارد الفرنسية. لكن الأساس في النقاش كان يقوم على فكرة أن لبنان يملك بين يديه المعطيات والأرقام الكافية لوضع خارطة الطريق.
عند هذه النقطة، كان ألان بيفاني يقاوم كل الضغوط. كان يعمل من دون مراعاة أحد في إعداد الجداول والأرقام وجردة المعطيات المالية، من أجل أن تكون أساس تصور لبنان الرسمي. وهو أمر جرى تثبيته في الحكومة، رغم كل المعاندة والضغوط التي قامت من جانب العصابة نفسها. لكن الخطوة لم تكن لتكون كافية من دون إجراءات إضافية تتطلب الإعلان عن بدء المواجهة الفعلية مع العصابة.
هنا، حصل ما كان متوقعاً. انتظمت صفوف العصابة بكل زعاماتها ومجموعاتها ورجالاتها. تقرر أولاً، أنه يجب خوص معركة عدم المس بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ليس إعجاباً بعجائبه فقط، بل خشية أن يكشفهم واحداً واحداً واسماً وسلالات أيضاً. ولكون الرجل طمأن العصابة إلى أنه لن يغير في نفسه، وسيحفظ لهم كل امتيازاتهم، ولو اضطرهم الامر الى إفقار الشعب اللبناني كله، وتجريده من كل قرش يحمله.
لكن حماية الحاكم تتطلب معركة متنوعة، بينها ما هو داخل الحكومة، حيث حصل الانقلاب الاول في موقف رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. خضع الرجلان لضغوط المافيا المتنفذة في جمعية المصارف بزعامة سليم صفير. صار الأخير ضيفاً دائماً على بعبدا واللقلوق، يحذر من سياسات فريق دياب. ويشير بالاسم دوماً الى ألان بيفاني، طالباً من عون وباسيل وضع حد له. وصفير، ليس ذكياً كفاية ليخفي مهمته. كان دائم الصراحة بالإشارة الى أن بقاء سلامة «حاجة وطنية كبرى». وهو جنّد معه كل رجال المال والأعمال الذين تقرّبوا من عون وباسيل بعد انتخاب الجنرال رئيساً للجمهورية. وبعضهم صار يحك على جلد الطائفية والمذهبية والخشية من نية المسلمين السيطرة على القطاع المالي وإمساك لبنان بكل مفاصله. وللأسف، كان لهذا الكلام صداه عند فريق الرئيس. وسرعان ما لاقى هؤلاء حماسة الفريق الآخر، الذي يجمع الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري ومعهما وليد جنبلاط وحشد كبير من متنفذي الحكم بكل ألوانه الطائفية والمذهبية، يتقدمهم حديثو النعمة في الإدارة العامة والاسواق وعالم رجال الاعمال. وقرر هؤلاء جميعاً أنه يجب إدخال تعديل جوهري على خطة الحكومة. وهذا ما حصل.
خطة الحكومة التي لعب بيفاني دوراً كبيراً في وضعها، قالت بوجوب تحديد الخسائر التي أصابت القطاع المصرفي ومصرف لبنان من جرّاء الأزمة بصورة دقيقة ومباشرة لا تحتمل المناورات التي اشتهر بها سلامة. وهي تحتاج إلى علاجات تتطلب إعادة النظر جذرياً، ليس في بنية القطاع المصرفي فقط، بل في كل موازناته وموجوداته، والتعامل بطريقة مختلفة مع مصير الودائع، والسير قدماً في خطة إنقاذ لا تجبر الدولة على بيع أصولها التي تستعد العصابة لسرقتها من جديد. لكن هذه الخطة وجدت من يواجهها. ولأن الفريق الآخر كان يحتاج الى أكثر من عرقلة العمل داخل الحكومة، كانت الحيلة باللجوء الى المجلس النيابي.

كان ألان بيفاني يقاوم كل الضغوط ويعمل من دون مراعاة أحد في إعداد الجداول والأرقام وجردة المعطيات المالية


في مجلس النواب، عاد إبراهيم كنعان الى أصوله الطبقية التي تجعله واحداً من شلة تنظر الى الاقتصاد اللبناني باعتباره أعجوبة الله الجديدة. وجد كنعان الى جانبه في لجنة المال كل الأطياف التي تشاركه همّ المواجهة مع خطة الحكومة: قوى سياسية ورجال مال وأعمال ومناسبة لاستدعاء جمعية المصارف الى الطاولة بعدما تم إبعادهم – وهذا أمر ضروري – عن طاولة البحث في الحكومة. وخلال أسبوعين لا أكثر، أنجزت لجنة المال توليفة قانونية وتشريعية ورقمية، تعيد خلط الأمور، وترمي بالخسائر على ظهر الدولة وتعفي اللصوص من مسؤوليتهم عن الكارثة.
لم تكتف لجنة المال بما فعلته، بل ذهبت لتلعب دور الحكومة، فجالت وصالت على المرجعيات والقوى السياسية. وكان لها من ينتظرها على شاشات التلفزيون والمنصات الإعلامية، ثم قررت أن تحل محل الحكومة بأن تحاور هي ممثلي صندوق النقد الدولي، وآخرين من الجهات الخارجية. وخلاصة قولها: ممنوع تحميل الأثرياء واللصوص مسؤولية الانهيار، ويجب رمي الكلفة على الناس من خلال تحميل الدولة المسؤولية. عند هذا الحد، كان بيفاني يتلقّى الضربة الأقسى، ليس من خصوم يعرفهم واحداً واحداً، بل من حلفاء مفترضين أو راعين له. وعندما وافق جبران باسيل من خلال إبراهيم كنعان على تغطية اللصوص، حصل التواطؤ الذي يجعل المتآمر قليل القلق إزاء المرحلة المقبلة. لكن اللصوص والمتآمرين، كما المتواطئين، كانوا يراهنون على عدة أمور أبرزها:
أولاً: ان المعارضة الشعبية ضعيفة جداً، وأن انتفاضة 17 تشرين انتهت على شكل وقفات غضب لا تخيف أحداً، وأن التوتر السياسي والطائفي والأمني في البلاد سيحول دون قيام حركة شعبية كبيرة.
ثانياً: ان حزب الله، وهو الجهة الأكثر قدرة على قلب الطاولة، قرر الصمت أو عدم الدخول في هذه المواجهة. واستند المجرمون الى خشية الحزب من الانهيار وسعيه لعدم منح الأميركيين هدية التورط في مواجهة شاملة، لأجل المضي قدماً في خطة القضاء على خطة الحكومة رغم كل عيوبها.
ثالثاً: ان المواجهة القائمة في المنطقة والعالم ستسمح لهذه العصابة بتغطية جريمتها المالية والنقدية إن أظهر أعضاؤها حسن النية للسيد الأميركي. وهو ما يحصل من دون توقف، منذ إطلاق سراح العميل عامر الفاخوري وصولاً الى حفلة التضامن مع سفيرة السيرك العالمي.
عملياً، أتت استقالة ألان بيفاني، أمس، لتطرق باب رئيس الحكومة ومعه عدد من الوزراء المفترض بهم أن يشعروا بالموسى تقترب من ذقونهم من جرّاء ما حصل. وإذا لم تبادر الحكومة الى ردّ قوي على ما حصل، فلن نكون في حيرة إن وجدناها جثة مضرجة بدمائها على درج مجلس النواب، بينما يحمل أركان العصابة سعد الحريري على أكتافهم في مسيرة ابتهاج تعيده الى السراي الكبير.