يوم ملتهبٌ عاشه خط الساحل الجنوبي أمس. يومٌ من القهر المضاعف، ونموذج أوّل عن الأيام المقبلة التي تنتظر اللبنانيين في سياق الانهيار المتسارع، إذا استمر الجنون على ذات الوتيرة، والدولار بالارتفاع والجوع إلى تفاقم والإحباط إلى تراكم والسياسة إلى الصدام، في الداخل وفي الإقليم.

لأكثر من سبع ساعات، احتُجز آلاف المواطنين والعائلات الآتين من الجنوب والنبطية ومدينة صيدا والشوف وإقليم الخروب، داخل سياراتهم تحت الشمس، في أكثر من بقعة على الطريق الدولي، من السعديات إلى مفرق برجا والجيّة. ولم يمرّ اليوم على خير طبعاً، مع إصابة المواطن السوري زياد نعّال (مواليد 1967) بذبحة قلبية وتعذّر نقله إلى مستشفى الجيّة، فوصل إليه ميتاً! عدا عن عشرات حالات الإغماء وعدد من الإصابات بين مواطنين تعرّضت سياراتهم للرشق بالحجارة من مرتفعات على جانبَي الطريق، وعشرة جرحى من الجيش اللبناني.
كلّ الأسباب التي تدفع أهالي برجا أو الجيّة أو أي منطقة لبنانية للخروج والتعبير عن غضبهم جراء الحال الذي وصلت إليه البلاد، موجودة. وحالة الغليان في الإقليم وبلدات الساحل الجنوبي، التي تئنّ تحت رحمة ارتفاع الأسعار الجنوني وفقدان السلع، وباتت لا تحصل على الكهرباء إلا ساعتين في اليوم، مشابهة لغيرها من المناطق.
لكنّ ما حصل أمس أخذ أبعاداً أخرى، مع انكشاف هوية أبرز المشاركين في قطع الطرق، والعدائية التي تمّ التعامل بها مع الجيش والأساليب التي استخدموها للتأكد من تعذّر فتح الطريق، ولاحقاً مع بدء رشق السيارات بالحجارة.
بدأت الحكاية بعد منتصف ليل الخميس الجمعة، عندما قطعت مجموعات من الشبّان، طريق الجية والناعمة، وتدخّل الجيش سريعاً لفتحها، من دون أن يبذل جهداً كبيراً، مع تجاوب المحتجّين، ومغادرتهم المنطقتين. إلّا أن المجموعات الصغيرة ذاتها، كمنت لشاحنة نقل كبيرة، مع أول خيوط الصّباح، وأجبرت سائقها على ركنها في منتصف الطريق تحت التهديد، ثمّ سرقت المفاتيح وانتقلت إلى بقعة أخرى. وتصف مصادر أمنية معنيّة، ما حصل بأنه «خطّة منظّمة لمشاغلة الجيش وقطع الطريق لأطول فترة ممكنة، حيث استخدمت أكثر من خمس شاحنات في أكثر من بقعة بشكل متتالٍ، وبطرق مشابهة، ثم لاحقاً عبر ركن السيارات في منتصف الطريق، والانتقال من مكان إلى مكان».

اضطر الجيش إلى قطع الطريق ومطاردة رماة الحجارة على السيارات داخل شوارع السعديات


وتقول المصادر إن الجيش حاول أكثر من مرّة التفاوض مع قطّاع الطرق بعد المعلومات عن محاولات إلى جرّ القوى العسكرية إلى الصدام مع المحتجّين في أكثر من مكان، عبر إطلاق المفرقعات على الجنود ورشقهم بالحجارة. وكان يعمل بالتوازي على إزاحة السّيارات والشاحنات وتأمين الخط البحري على ضيقه، لكن بعض المجموعات انتقلت إلى مهاجمة الجيش ورمي الحجارة على السّيارات في منطقة السعديات، عندها اضطر العسكريون إلى قطع الطريق قبل السعديات وبعدها، ثم الدخول إلى الأحياء ومطاردة رماة الحجارة لإبعادهم عن حافة الأوتوستراد الدولي، فاستمرت المطاردات حتى ساعات المساء، مع محاولات لمعاودة قطع الطريق الدولي.
وعن هويّة المتورّطين، قالت المصادر إن «المجموعات الأساسية التي قطعت الطرقات صباحاً كانت سابقاً تدور في فلك تيار المستقبل وبعض الشّبان المؤيّدين لأحمد الأسير، لكن لاحقاً مع ازدياد رقعة التجييش انضم إليهم عدد من المحتجين العاديين بسبب الأوضاع الاقتصادية وانقطاع الكهرباء في الإقليم».
وترافق الحدث الميداني، مع اتصالات سياسية في البلاد، للتأكيد على ضرورة فتح الطرقات الدولية، ومنع التعدّي على الأملاك الخاصة والعامّة ولا تهديد المواطنين وشلّ الحركة، وهو ما عبّر عنه وزير الداخلية محمد فهمي ليل أمس.
ومّما لا شكّ فيه، أن الإصرار على قطع طريق بيروت نحو الجبل الجنوبي والجنوب، وشلّ شريان رئيسي في البلاد، بالتوازي مع إصرار مجموعات سياسية مشابهة، في مقدّمها منتديات بهاء الحريري لقطع طرابلس عن بيروت، والتعرّض لسيارات النقل، وفي التحرّكات المتناغمة في البقاعين الأوسط والغربي وصولاً إلى زحلة لشلّ الحركة، لا يغيّر في الواقع الاقتصادي شيئاً سوى أنه يزيد الضغط على اللبنانيين، ويرفع من منسوب الصدامات الطائفية والأهلية، ويحمل البصمات الأمنية المشبوهة. وتقول مصادر أمنية إن «هناك توجيهاً واضحاً من قوى مدعومة من الخارج لاستغلال الهيجان الشعبي لإشغال الجيش واستفزاز حزب الله على خط الساحل وفي البقاع».
وإذا ما عادت الذاكرة إلى مشاهد قطع الطرقات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ثم مع بداية الأزمة السورية، في المفاصل الأساسية ذاتها، ومحاولات شلّ الجيش عبر استنزافه على كامل الجغرافيا، تبدو النتيجة قاتمة، نحو عزل البلاد وتقطيع أوصالها، في عزّ حاجتها إلى الاتصال لمواجهة المقبل.
وهذه الخشية، عبّر عنها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يوم أمس، بشكل واضح، في فيديو جرى تصويره خلال زيارة في الشوف، حيث حذّر من قطع الطرقات وانتقد قطع طريق بيروت الجنوب. ويبدو موقف جنبلاط منسجماً مع معارضته التحرّكات التي قامت بها مجموعة من الاشتراكيين قبل أيام على خطّ الشام، حيث تم التعرّض لشاحنات طحين كانت تتّجه نحو أفران تفاحة في البقاع، بذريعة منع التهريب إلى سوريا، إذ أن جنبلاط يحرص على تأكيد موقفه المتمسّك بالتهدئة السياسية، تحديداً مع حزب الله، وعلى تأكيد أنه لن يكون شريكاً في تطبيق قانون قيصر بـ«قوّة الشارع» كما يحصل في طرابلس، ولا في تهديد طرق إمداد المقاومة الرئيسية من البقاع الغربي إلى خطّ الساحل الجنوبي.