قد يصلح لقاء بعبدا ليكون اجتماعاً لتحالف ٨ آذار. حضور ميشال سليمان وتيمور جنبلاط لا يغيّر في المضمون. ضيفا شرف كانا. زيّنا قاعة الاجتماع، الذي يُفترض أنه يشكل حاجة ملحّة في ظلّ الأوضاع الراهنة. لكن عنوان الدعوة ليس مرتبطاً بالانهيار الذي يترسّخ يوماً بعد يوم. الوضع الأمني كان الهدف. منذ أن احترق محلان تجاريان في وسط بيروت، لم يهدأ للجمهورية بال. المعارضة شمّرت عن زنودها لتستغلّ الحادثة، بحجة الدفاع عن العاصمة وأهل العاصمة. والسلطة رأت أن العنوان قد يصلح ليكون طعماً للمعارضة، يجعلها تحضر اجتماعاً يترأسه ميشال عون. نبيه بري دخل على الخطّ، ساعياً لاستغلال موقعه في جمع الأضداد. تولى دعوة رؤساء الكتل النيابية، ومن ضمنهم يفترض أن يحضر سعد الحريري ونجيب ميقاتي وسليمان فرنجية وسامي الجميل، فيعمّ الوفاق في قصر بعبدا. لم تنجح الخطة لأن المعارضة ليست مستعدة لتعديل الأجندة التي رسمت لها. ليس همّها أمنياً ولا اقتصادياً ولا مالياً. المطلوب مواجهة ميشال عون وجبران باسيل، ومن خلفهما، حزب الله. أي خطوة تتعارض مع هذا التوجه مرفوضة. ولهذا يصبح بديهياً أن لا يشارك أيّ من أقطابها، مهما كانوا معنيّين بالقضية، ومهما تورّطوا في تسعير الفتنة المذهبية. سليمان فرنجية قصّته مختلفة. القطيعة مع العهد تتمدّد، وليس لها عنوان سوى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في المقابل، كان يمكن لقصر بعبدا أن يوفّر الحرج، فيلغي الاجتماع من أساسه، مستعيضاَ عنه بجلسة حكومية، طالما أن جميع المشاركين ممثلون فيها، ووليد جنبلاط أوّلهم. يبقى سليمان. لكن حضوره من عدمه لن يحدث فرقاً، هو الذي لا يملك في رصيده خلال ست سنوات في الرئاسة سوى «إعلان بعبدا»، الذي كان ولا يزال يعتبره الحل السحري لخلاص لبنان. وقد تراءى له أمس أن الجميع سيسرع لتصحيح موقفه من الإعلان. ولمّا لم يهتمّ أحد، سجّل تحفّظه على البيان الختامي للقاء. تحفّظ قد يكون الإنجاز الثاني لسليمان. فالبيان الذي تلاه الوزير السابق سليم جريصاتي بدا من زمن آخر. حذّر من إثارة الفتنة وتهديد السلم الأهلي وزعزعة الاستقرار، الذي «كاد أن ينزلق البلد إليه لولا وعي المسؤولين عن مقدرات البلاد وجهود القوى العسكرية والأمنية، وتصدّيهم استباقياً وميدانياً، للإرهاب وخلاياه وفكره الإلغائي».
ولأن الشتيمة تهدد الانصهار الوطني، جاء في البند الثاني من البيان: إن حرية التعبير مصانة في مقدمة الدستور ومتنه، على أن تمارس هذه الحرية بحدود القانون الذي يجرّم الشتيمة والتحقير والمسّ بالكرامات وسائر الحريات الشخصية.
من أراد أن يستمع إلى ما له علاقة بالأزمة الراهنة، عليه أن ينتظر البند الخامس في البيان. قبلها بعض من الشعر الخاص بـ«إرادة اللبنانيين وتاريخ لبنان ومنظومة القيم الأخلاقية والوطنية التي تقينا شرّ التشرذم…». الانهيار المالي مرّ عرضاً عند الإشارة إلى «ضرورة إعلاء المصلحة الوطنية المشتركة، وضرورة السعي معاً الى توحيد المواقف أو تقاربنا بشأنها، فكانت الدعوة إلى اعتماد مسار نهائي للإصلاحات البنيوية في ماليّتنا العامة، واعتماد برنامج صندوق النقد الدولي في حال وافقنا على شروطه الإصلاحية لعدم تعارضها مع مصلحتنا وسيادتنا، وعبر مكافحة الفساد بشكل جدي، والتأكيد على حقوق المودعين وعلى نظامنا الاقتصادي الحر المنصوص عليه في دستورنا وجعله منتجاً».
رئيس الجمهورية، وانطلاقاً من أن السلم الأهلي خط أحمر، قال إن أحداث بيروت وطرابلس وعين الرمانة (في ٦ حزيران الحالي) لامست أجواء الحرب الأهلية. ولذلك توجّه إلى الحاضرين والمتغيّبين، مشيراً إلى أنه مهما علت حرارة الخطابات لا يجب أن نسمح لأي شرارة بأن تنطلق منها، فإطفاء النار ليس بسهولة إشعالها، وخصوصاً إذا ما خرجت عن السيطرة. وتوجّه إلى من يستسهل العبث بالأمن والشارع ويتناغم مع بعض الأطراف الخارجية الساعية إلى جعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات، وتحقيق المكاسب، عبر تجويع الناس، وترويعهم، وخنقهم اقتصادياً، بالقول: إن اعتقدنا أن الانهيار يستثني أحداً فنحن مخطئون، أو الجوع والبطالة لهما لون طائفي أو سياسي فنحن واهمون، أو العنف في الشارع هو مجرّد خيوط نحرّكها ساعة نشاء ونوقف حركتها بإرادتنا، فنحن غافلون عن دروس الماضي القريب، كما عن دروس المنطقة والجوار.
الرئيس حسان دياب صار يسمع ما يقوله الناس ويردّدونه، لكنه يتناسى أنه رئيس الحكومة. قال، وهو محق، «بنظر اللبنانيين، هذا اللقاء سيكون كسابقاته، وبعده سيكون كما قبله، وربما أسوأ، لا يهتم اللبنانيون اليوم سوى بأمر واحد: كم بلغ سعر الدولار؟». تحدث كثيراً عن معاناة الناس، إلا أنه لم يخلص سوى إلى: «اقتراح بتشكيل لجنة تتابع الاتصالات تحت قبة المجلس النيابي، مع جميع القوى السياسية والحراك المطلبي وهيئات المجتمع المدني، على أن ترفع توصيات إلى هذا اللقاء مجدداً برعاية فخامة رئيس الجمهورية».

وزيرة العدل تطلب صلاحيّات تشريعية للحكومة


كان دياب أوضح في مجلس الوزراء. بعد لقاء بعبدا، انعقد المجلس متابعاً بهدوء الأزمات المتلاحقة. وعلى طريقة العاجز عن المبادرة، أكمل دياب «انتقاده» للسلطة. فقال: «البلد يمرّ بأزمة كبيرة، والحلول لأزمة ارتفاع سعر الدولار تصطدم كلها بواقع مختلف، والنتائج حتى الآن غير إيجابية. هذا الأمر من مسؤولية مصرف لبنان الذي يحدد طريقة معالجة ارتفاع سعر الدولار. هو المسؤول عن حفظ سعر صرف الليرة اللبنانية. مع ذلك، من الواجب متابعة هذا الموضوع الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي».
وشدد رئيس الحكومة على أهمية أن يشكل الموضوع المالي أولوية، ليس فقط للحكومة، بل أيضاً لكل مسؤول، في أي موقع، قائلاً إن «المطلوب وضوح كامل في التعاطي مع هذا الأمر». وأضاف: «إذا كان مصرف لبنان عاجزاً عن معالجة أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار، فعليه مصارحتنا بالأسباب وتسمية من يمنعه من ذلك، ومن يتدخل».
تحميل دياب المسؤولية لرياض سلامة ليس جديداً. سبق أن اعتبر أن أفعاله تثير الريبة. لكن الشكوى شيء ومحاسبة رياض سلامة شيئٌ آخر. ذلك خط أحمر لم يحن موعد تخطّيه بعد.
بعد الشكوى والعتب، عودة إلى جدول أعمال عادي، تخلّله الموافقة على طلب وزارة الدفاع الوطني المتعلق ببيع خمس طائرات نوع (Hawker Hunter) وثلاث طوافات نوع (Sikorsky) بالمزايدة العمومية. التسوية قضت بإضافة بند يطلب من الوزارة إعداد دفتر شروط لإجراء مناقصة لشراء طوّافات مخصصة لإطفاء الحرائق.

دياب: إذا كان مصرف لبنان عاجزاً عن معالجة أزمة الدولار، فعليه مصارحتنا


من جهة أخرى، كان لافتاً تخلل الجلسة اقتراح من وزيرة العدل ماري كلود نجم الطلب إلى مجلس النواب إعطاء الحكومة الحق بالتشريع لمدة أربعة أشهر. وهو طلب سرعان ما وقف الوزير عباس مرتضى في وجهه، مشيراً إلى أن المجلس يقوم بدوره التشريعي على أكمل وجه وهو سبق أن اجتمع مرتين في قصر الأونيسكو أثناء التعبئة العامة، أضف إلى أن اللجان تعمل بشكل مكثّف لتحضير القوانين.
وفي سياق متصل، تسلم أعضاء مجلس الوزراء رسالة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، يقترح فيها مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها مفيدة «لإعادة تشغيل العجلة الاقتصادية». وفيما يُتوقع أن تناقشها الحكومة في جلسة لاحقة، بدا لافتاً أن الاقتراحات الصادرة عن مجلس يفترض أن يكون له دور فعّال في التخطيط والدعم للحكومة، وجد أن أبرز الحلول للأزمة يكمن في الإعفاءات والتسهيلات الضريبية للشركات. حتى وصل به الأمر إلى اقتراح تجميد تسديد الضريبة على القيمة المضافة على الفصل الرابع من العام ٢٠١٩ وعن الأشهر التسعة الأولى من العام ٢٠٢٠، على أن تقسط على ٢٤ شهراً ابتداءً من العام ٢٠٢١، علماً بأن الشركات تستوفي هذه الضريبة من المستهلك النهائي، ودورها محصور بتحويل هذه الضريبة للدولة. ما يعني عملياً أنها تريد أن تتصرف بالأموال التي جمعتها لمصلحة الخزينة، على أن تعود فتقسّطها لاحقاً.



باسيل: إما تسقط المنظومة المالية وإما تسقط الدولة
قلّل النائب جبران باسيل من أهمية الخلاف على تحديد الخسائر في القطاع المصرفي، معتبراً أنها ستظهر بالنهاية. وقال إن ما هو أهم من الأرقام، هو الحلول وطريقة توزيع الخسائر بشكل عادل. وأشار إلى أن «لا إمكانية لتسكير هذه الخسائر، ولو صفّرنا المصارف والمصرف المركزي، من دون اقتطاع من أموال المودعين. ولتفادي ذلك، وهو مطلبنا، علينا إشراك الدولة من خلال أصولها بتحمل جزء من هذه الخسائر عبر الصندوق الائتماني الاستثماري الذي يشترك فيه المودعون، كل بحسب فئته الإيداعية». ولذلك، دعا الحكومة إلى إنشاء هذا الصندوق لإظهار جديتها.
وكان لافتاً انتقاد باسيل للحكومة، لناحية «سعيها، برغبة من صندوق النقد، لتصفير الخسائر وسدادها سريعاً، وكأن بها تصفّي تفليسة للدولة وللاقتصاد، من دون احتساب عامل الوقت الذي بإمكانه إعادة تحريك الاقتصاد وتأمين المداخيل، ما يساعد على تسكير الخسائر تدريجياً». ومع تأكيده أنه ضد هذا الخيار، أشار باسيل إلى أنه يعارض، في المقابل، سعي المصارف والمصرف المركزي إلى إطالة أمد الوقت بشكل غير مقبول لتجنّب الخسائر وكأنها لم تقع، وهو ما يعتبر استمراراً للسياسة النقدية القائمة.
أضاف باسيل: «بالنسبة إلى البعض يسقط برنامج الصندوق، يسقط الشعب في الجوع، يسقط البلد في الفتنة، لا همّ! المهمّ أن تسقط المجموعة الحاكمة! هكذا كانوا دائماً، يبدّون مشروعهم السلطوي على بقاء الدولة، ويبدّون المنظومة المالية، وهم على رأسها، على المنظومة المجتمعية المتماسكة. المهم أن يبقوا هم ولو سقط المجتمع وسقطت الدولة. وأنا أقول إن المعادلة أصبحت واضحة؛ إما تسقط المنظومة المالية وإما تسقط الحكومة والدولة!».