من أوجه التشابك والتشابه، بين الساحتين اللبنانيّة والعراقيّة، الفساد الضارب في وزارات الدولتين ومؤسساتهما. منذ أسابيع يسري الحديث عن فضيحةٍ - تصدّرت وسائل إعلامٍ عديدة - أبطالها سياسيّون عراقيّون ورجال أعمالٍ لبنانيون. فضيحةٌ، في شقّيها السياسي والتقني، تعكس حجم «الخدمات المتبادلة» بين الساسة ورجال الأعمال، وسعيهم إلى مراكمة ثرواتهم بعيداً عن النهوض بواقعٍ مزرٍ ترزح تحته شرائح لا تملك قوت يومها.

في شقّها السياسي، شكّل تكليف محمد توفيق علّاوي، برئاسة الوزراء في العراق (قبل اعتذاره) مطلع شباط/ فبراير الماضي، مفصلاً مهمّاً في العلاقة بين رئيس البرلمان محمد الحلبوسي والنائب مثنى السامرائي. علّاوي، فشل في تحصيل دعمٍ «سُنّيٍ» لحكومته؛ حجر العثرة كان التحالف البرلماني الذي يقوده الحلبوسي، بوصفه «ممثّل البيت السُنّي». استطاع علّاوي خرق التكتّل، مبرماً تفاهماتٍ مع السامرّائي. يمنحه الأخير صوته مع 10 نوّابٍ آخرين، في وقتٍ يحفظ الرئيس المكلّف «مكتسبات» السامرائي، وأبرزها وزارة التربية، ومغانمها.
«مكتسبات» السامرائي، في حكومة عادل عبد ا
لمهدي، كانت محميّةً بتفاهمٍ سياسيٍّ بينه وبين الحلبوسي والنائب محمد الكربولي (شقيق زعيم «حزب الحل» جمال الكربولي). واحدٌ منها «عقد تأمينٍ» موقّعٌ بين وزارة التربية من جهة، و«شركة التأمين العراقيّة العامةّ» و«شركة أرض الوطن للتأمين» (مقرّها بغداد، ومملوكة لرجال أعمالٍ لبنانيين هم: كريم تحسين خيّاط وبشير الخشن وريتشارد صليبا) من جهةٍ ثانية. كانت وزارة التربية (وما زالت) «كعكةً» يتقاسم أرباحها السياسيون الثلاثة؛ لكن «حسابات» السامرائي عدّها الحلبوسي «انشقاقاً»، فبات رئيس البرلمان «ملزماً بتأديبه»، فهو «زعيم المكوّن» ويرفض أي رأيٍ «يغرّد خارج سربه».
الحلبوسي، وبالتنسيق مع المؤسسة القضائيّة، حرّك الملف مطلع آذار/ مارس الماضي؛ فأعلن «البنك المركزي العراقي» تجميده الأموال المنقولة وغير المنقولة لشركة «أرض الوطن»، ومديرها المفوّض علي نصير جبّار (راجع الوثيقة)، كما أصدر - وفق معلومات «الأخبار» - مذكرات إلقاء قبضٍ بحق خيّاط والخشن، إضافةً إلى عددٍ من العاملين في التربية، بينهم مدير مكتب الوزيرة سهى خليل بك، ومدير الشؤون القانونية، والوكيل الإداري، ومدير العقود، بحجّة «إحداث أضرارٍ بالمال العام».
اللافت أن الحلبوسي، وبعد «جرجرة» الوزيرة إلى التحقيقات، استطاع أن يعيدها إلى كنف فريقه السياسي، مُرجعاً المياه إلى مجاريها - في الأسابيع الماضية - مع السامرائي، في وقتٍ يُنقل فيه عن المتضرّرين من الخلاف أن «الشركة دفعت ثمن خلافٍ سياسّيٍ، لا ناقة لها فيه ولا جمل».
تقنيّاً، ثمّة وجهتا نظر؛ الأولى لـ«أرض الوطن»، أما الثانية فلـ«ديوان الرقابة المالية الاتحادي».
وفق روايته، يؤكّد فريق شركة التأمين دخوله المضمار في العام 2015، إثر قرار مجلس الوزراء برئاسة حيدر العبادي (239/ 2015)، لتشجيع ودعم القطاع الخاص. في الفقرة 6.6، يدعو القرار إلى «اتخاذ خطواتٍ جادّة لجذب كفاءات التأمين العراقيّة الموجودة في الخارج»، وذلك بـ«إلزام الوزارات والداوئر الحكوميّة وشركات القطاع العام والخاص بإنشاء عقود تأمينٍ، وتأمينٍ صحي لموظفيها خلال عامين، بالحدّ الأقصى».
مبكراً، أدرك الفريق اللبناني وجوب العمل في «شركةٍ عراقيّة»، فسارع إلى تأسيس «أرض الوطن» في العام 2010، وقد تم تجديد إجازة ممارستها أعمال التأمين في 30 تموز/ يوليو 2019 لغاية 30 تموز/ يوليو 2020 (راجع وثيقة «تجديد إجازة»)، ما ينفي - وفقهم - ما قيل إن «الشركة وهمية».
في 26 كانون الأوّل/ ديسمبر 2019، وقّع الطرفان العقد (راجع «عقد التأمين الجماعي المتعدد المنافع») وبقيمة 41 مليار دينار عراقي (34 مليون دولار أميركي)، لمدّة خمس سنوات (قابلة للتجديد)، ويشمل تقديمات متنوّعة لـ620 ألف منتسب للوزارة، إثر مفاوضاتٍ دامت سنواتٍ عديدة، وسط منافسةٍ حادّة بين عددٍ من الشركات التي قدّمت - بدورها - عروضاً وفق المعايير التي «صاغتها» الوزارة.

لم يثبت وجود نشاط يخص الأعمال التأمينية لشركة «أرض الوطن» عام 2018


ثلاثة أشهر وبدأ الخلاف السياسي. سارعت الشركة إلى فسخ العقد، علماً بأنّها - وخلال الأسابيع القليلة - التزمت بـ3500 حالة، بلغت قيمتها 400 مليون دينار عراقي (333 ألف دولار أميركي). قبضت «أرض الوطن» كامل المبلغ، 34 مليون دولار (راجع «فسخ العقد») وعلى دفعتين، في وقتٍ قياسيٍّ، لكنّها سرعان ما شرعت في إعادته وفق ما نصّ عليه العقد المبرم، موضحةً في بيانٍ صادرٍ عنها أنّها «التزمت بكل بنود العقد، لكنّها فضّلت فسخه حفاظاً على مهنيّتها وسمعتها، بعدما ورد كتابٌ من ديوان الرقابة المالية الاتحادي، يلفت نظر الوزارة إلى أن العقد الموضوع يجب أن يكون اختياريّاً وليس إلزاميّاً» (راجع البيان كاملاً).
هذه النقطة عُدّت «الثغرة» التي أطاحت العقد، وقد أُوجدت إثر الخلاف السياسي، علماً بأن المستفيدين الثلاثة والشركة نالوا ما يريدونه (راجع «الأخبار»، عدد أول من أمس)، رغم نفي مصادر الشركة ومصادر سياسية أخرى «صحّة بعض الأرقام». وفي هذا الإطار، تؤكّد مصادر قضائيّة عراقية، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «الربح الصافي» الذي حازته الشركة لحظة توقيعها العقد بلغ ما نسبته 20 في المئة من قيمته الإجماليّة.
في المقابل، أرسل «ديوان الرقابة» كتابين إلى مجلس النواب، الأوّل بتاريخ 3 آذار/ مارس الماضي والثاني في الـ11 من الشهر عينه، طارحاً استفهاماتٍ عديدة عن آلية توقيع هذا العقد. في الأوّل، ثمة إشارةٌ إلى أن العقد «ليس من القضايا العاجلة أو المُلحّة، وأن الوزارة لم تقم بإرسال العقد إلى الديوان، وهذا مخالفٌ للقانون»، لافتاً إلى أن التدقيق أثبت «وجود عرضٍ واحدٍ، من دون أن يكون هناك عرض آخر يتيح للوزارة حريّة الاختيار». كذلك، لم يكن هناك «مبرّر لمدّة العقد»، إضافةً إلى أن «عقد المشاركة المبرم بين أرض الوطن وشركة التأمين العراقيّة، جرى بموجب عقد مشاركةٍ بينهما في 17 كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، في حين وقّع العقد بين الوزارة وأرض الوطن بعد مرور 9 أيّام فقط، ما يشير إلى أن الشريك المذكور حديث الشراكة مع شركة التأمين العراقية». ويلفت الكتاب إلى أن «المبلغ سدّد بالكامل من دون أخذ ضماناتٍ كافية»، فيما اكتفت الوزارة بخطاب الضمان المقدم عن حسن التنفيذ (ملياري دينار عراقي)، أي 5 في المئة من مبلغ العقد.

قبضت «أرض الوطن» كامل المبلغ، 34 مليون دولار، في وقتٍ قياسيّ، لكنّها سرعان ما شرعت في إعادته


أما الكتاب الثاني، فيسأل عن سبب تفويض «شركة التأمين العراقية، الرائدة في هذا المجال، إلى أرض الوطن صلاحيّة تقديم العروض»، عدا عن أن «الصفقة يجب أن لا تكون جماعةً بل طوعاً»، وهذا ما يفرض تساؤلاً ثانياً. الكتاب خلص إلى نقاطٍ عديدة، أبرزها:
- إجازة ممارسة أعمال التأمين لشركة «أرض الوطن»، انتهت في 30 تموز/ يوليو 2019، وتم تجديد الإجازة بموجب كتاب «ديوان التأمين» في 20 كانون الأوّل/ يناير 2020، للفترة الممتدة من 30 تموز/ يوليو 2019 لغاية 30 تموز/ يوليو 2020، وبأثرٍ رجعي، و«عليه فإن توقيع العقد تم بدون منح إجازة تجديد ممارسة أعمال التأمين لأرض الوطن في حينها».
- لم ترسل الوزارة كتاباً إلى «ديوان التأمين»، الجهة المسؤولة عن شركات التأمين الأهلية، لبيان الملاءة المالية لشركة «أرض الوطن» والأعمال المماثلة لها قبل إجراء التعاقد معها.
- لم يثبت وجود نشاطٍ يخص الأعمال التأمينية لشركة «أرض الوطن»، خلال سنة 2018، وقد حقّقت عجزاً ماليّاً قدره 15 ألف دولار أميركي.
- لم يثبت وجود استماراتٍ مالية لشركة «أرض الوطن» خلال العام 2018.
عمليّاً، الصفقات في العراق، كما لبنان، منطلقها العلاقات مع ساسةٍ فاسدين، وتنتهي بمساوماتٍ ومقايضات، كـ«صلحة» الحلبوسي - السامرائي، والتي ستفضي قريباً إلى إخراج المتهمين بـ«عفوٍ خاص».



«عرضٌ غير مقنع»
يؤكّد المعنيون في شركة «أرض الوطن للتأمين»، أن مفاوضاتهم مع وزارة التربية، منذ انطلاقتها قبل أعوام، نالت إعجاب الوزراء الذين تولّوها. لكن وزير التعليم العالي قصي السهيل، الذي كان وزيراً بالوكالة، قبل تعيين الوزيرة سهى خليل بك، رفض الموافقة على العقد، علماً أنّه من صلاحياته، بل وافق على عرض الامر على «هيئة الرأي» (راجع الوثيقة). المفارقة، وفق من واكب السهيل في تلك الفترة، أن الرجل أراد اختيار «العرض الأنسب بناءً على التعليمات والضوابط المتبعة، على أن يتم وضع شروط التعاقد من قبل مجلس إدارة صندوق التربية المركزي». وبحسب المصادر نفسها، لم يُتّبع ما فعله السهيل مع الوزيرة الحاليّة، التي سارعت إلى إبرام العقد من دون الرجوع إلى «الهيئة».
كذلك، يلفت بعض الذين واكبوا السهيل، في حديثهم لـ«الأخبار»، إلى أن الوزير الوكيل حينذاك أراد أن يحصل منتسبو الوزارات المشمولة بنظام التأمين الصحي، على إصدار لهوية تأمين صحّي بديلة عن «صندوق التربية المركزي» (راجع الوثيقة)، فيكون اقتطاع أجور العمليات الجراحيّة عن طريق وزارة الصحة، بعد مخاطبة الوزارة التي يعمل فيها الموظف، لضمان حقّ المريض وحق الدولة.
مصادر «الأخبار» تؤكّد أن حراكاً آخر أُريد منه «تعزيز» سبل الاستشفاء عن طريق القطاع العام لا القطاع الخاص. لكن، مع الوزيرة الأصيلة، رُجّح خيار العقد مع «أرض الوطن»، علماً أن الموفدين عن الشركة، وفي لقاءاتهم مع الوزير الوكيل، «لم يقدموا عرضاً مقنعاً، بل لمّحوا إلى استعدادهم لتمرير العقد»، بحسب المصادر المواكبة للسهيل.