كان لافتاً أن مقاربة الحكومة لخطة الإصلاح، جاءت محكومة بالاعتبارات المالية والنقدية بهدف توزيع الخسائر، إلا أنها لم تذهب نحو مقاربة أشمل وأعمق تحدّد المسؤوليات الناتجة من خسائر بحجم 83 مليار دولار، ولم تحدّد رؤيتها للنتائج الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على عملية توزيع هذه الخسائر.

ورد في خطّة الحكومة أن هناك خسائر محققة بقيمة 83 مليار دولار. كذلك تطرقت إلى كيفية توزيعها على رساميل مصرف لبنان والمصارف وعلى المودعين أيضاً عبر اقتطاع جزء من ودائعهم. تحدثت أيضاً عن تحرير سعر صرف الليرة، وعن ”عقلنة“ رواتب القطاع العام، واقتطاعات أخرى تتعلق بنظام تقاعد الموظفين والعسكريين من الرتب العالية، وزيادة بعض الضرائب على الشركات والمداخيل المرتفعة وإلغاء بعض الإعفاءات الضريبية لشركات الهولدنغ والأوف شور… وبشكل هامشي تطرقت الخطة إلى شبكة أمان اجتماعي لمساعدة الأكثر فقراً من ضمن برنامج ينفذ جزء منه منذ سنوات في وزارة الشؤون الاجتماعية.
يمكن الاستنتاج من هذه المقاربة، أن التأخّر الحاصل في تحديد الخسائر هو أصلاً مشكلة بحدّ ذاته. فمنذ عام 2018، سدّد لبنان ديوناً بالعملات الأجنبية وفوائدها بقيمة تفوق 7 مليارات دولار، وهو أمر كان يمكن تجنّبه وإتاحة الفرصة أمام قدرة أعلى للتعامل مع الأزمة المالية النقدية وهامش أوسع في عملية التوزيع.
التحذير مما وصلنا إليه اليوم، أطلقه رئيس حركة مواطنون ومواطنات شربل نحاس في عام 2018، لكن لم يكن أحد يريد أن يسمع. كانت هناك رغبة واسعة لدى قوى السلطة في الإنكار. استمرّ الإنكار لغاية 17 تشرين الأول الماضي، أي لغاية الانفجار الاجتماعي. وصلنا إلى نقطة اللاعودة. الخسائر تحقّقت، وإحصاؤها ليس سوى عملية محاسبية تقنية. توزيعها هو عملية صعبة في ظل بنية منظومة الحكم في لبنان القائمة على الشراكة بين قوى السلطة وأصحاب الرساميل.
الحكومة استعانت بخدمات شركة ”لازار“ الفرنسية من أجل إعادة هيكلة الدين العام. الهدف تحديد الخسائر وتوزيعها. حسبة الحكومة و«لازار“ للخسائر، وردت في إطار مقاربة تعتمد على لغة محايدة بالمطلق. كانت هناك بعض التلميحات عن مسؤولية مصرف لبنان، وعن التوظيفات العشوائية في القطاع العام، لكنها بقيت في سياق اللغة المحايدة نفسها. أثار الأمر الكثير من الأسئلة: كيف حصلت هذه الخسائر؟ من هو مسؤول عنها؟ ما هي نتائجها؟ كيف سنتعامل مع هذه النتائج؟

السلطة لا تقدّم أي بدائل اجتماعية مثل التغطية الصحية الشاملة والتعليم المجانيين


عملياً، حجم الخسائر هائل، ويُفترض أنها تراكمت على مدى سنوات طويلة. «تعود هذه الخسائر إلى المرحلة السابقة بكاملها التي تمتدّ على مدى 25 سنة مضت»، بحسب نحاس. هذا يعني أن كل ما قيل في السابق لا قيمة له. كان الكذب سيد التصريحات. لم تتحقق هذه الخسائر على يد طرف واحد. المسؤول الوحيد عنها هو المنظومة التي اتخذت شكل أفكار وأحزاب ورؤساء ونواب ووزراء وشخصيات عامة ورجال أعمال ومؤسسات مالية (مصارف) وأتباع يعملون في القطاعين العام والخاص. لم يكن الأمر محصوراً بمدير المنظومة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. والتلميحات التي وردت في مقاربة الحكومة للبرنامج الإصلاحي ليست كافية لتحديد المسؤوليات، بل ربما هي تهدف إلى تمييعها. كذلك لا يمكن التعامل مع الإفلاس على أنه مسألة محاسبية بالمطلق، أي شطب الخسائر وتوزيع أكلافها ببساطة.
بالنسبة إلى نحاس، هناك علاقة النتائج بالأسباب، وعلاقة المقترحات بردود الفعل اللاحقة. يقول إن «كل المسارات التي وردت في البرنامج الحكومي تنتهي باقتطاع من المداخيل مباشرة أو مواربة». المقصود بكلامه أن تحرير سعر صرف الليرة، ولو كان تدريجياً، فإنه يأتي مع تضخم مرتفع وينتج منهما تآكل في مداخيل الأجراء والعمال. كل آليات توزيع الخسائر تصبّ في هذا المحور: من صرف المتعاقدين وتجميد الأجور وتحرير سعر صرف الليرة وخفض تقديمات التقاعد وسواها. «لا تقول لنا الخطة كيف ستتعامل مع هذه النتيجة»، بحسب نحاس. حتى الآن وبحسبة سريعة، فإن المداخيل تآكلت بأكثر من 45%. «هذا الأمر سيولّد مشاكل اقتصادية واجتماعية»، وفق نحاس. فمن ناحية، سيتقلّص الطلب الاستهلاكي. ومن ناحية ثانية، فإن فقدان الوظائف سيفاقم البطالة والفقر والهجرة لمن استطاع إليها سبيلاً بعد انتهاء موجة «كورونا». كذلك قد تكون هناك تحرّكات احتجاجية من المتضررين. هم أصلاً كانوا يتحرّكون قبل بضعة أشهر للاعتراض على اقتطاعات أقل من تلك التي وردت في الخطة. تحرّكات العسكريين المتقاعدين هي مثال على ذلك. السؤال المطروح اليوم، في حال طبقت هذه الخطة، لا ينحصر بآليات التوزيع المحاسبية للخسائر، بل بكيفية إعادة إطلاق الاقتصاد وسط الانكماش الهائل الذي سيتعرّض له. من سيستثمر؟ من سيستمر؟ كيف سنمنع الناس من الهجرة؟ كيف سنعزّز صمود الناس في هذه المحنة؟
اقتراح نحاس أن تكون هناك بدائل مثل التغطية الصحية الشاملة والتعليم المجانيين. اليوم، ماذا يقدمون للناس في مقابل هذا التآكل؟ لا شيء! ربما بضع مساعدات زبائنية كتلك التي يتم توزيعها عبر برنامج مساعدة الأكثر فقراً. هو أصلاً برنامج زبائني يقوم على تعريفات غير واضحة للفقر في لبنان، تتسلل منها الأحزاب والقوى السياسية للتنفيع الفئوي. وهو ليس برنامج مساعدة للارتقاء الاجتماعي. لا يجوز أن يتحول برنامج توزيع المساعدات على الفقراء إلى سياسات عامة. يجب أن تكون هناك تقديمات اجتماعية واضحة. مهما كانت مكلفة، الآن هي اللحظة المناسبة للبدء فيها.