منذُ تسارُع انعكاس الأزمة المالية ــــ الاقتصادية مُباشرة على معيشة المواطنين، بدأت أسعار السلع الغذائية تقضم قدرتهم الشرائية. ومع وصول فيروس «كورونا» إلى البلاد والتزام الناس منازلهم عملاً بالقرار الحكومي، تضاعَف انخفاض القدرة الشرائية بسبب توقف الدورة الاقتصادية في مقابل ارتفاع سعر الدولار، ولأن مافيات التجار لا تشبع من الاحتكار.

هذا الواقِعٌ أكدته جمعية حماية المستهلك، التي أعلنَت منذُ أسبوع أن تطور أسعار السلع والمواد الغذائية أظهر منذ 15 شباط الى 31 آذار 2020، ارتفاعاً بلغ 13.17% أي أن أسعار هذه السلع والخدمات ذات الاستهلاك اليومي للعائلات ارتفع ما مجموعه منذ 17 تشرين الأول 2019 نحو 58.43%. ما تقدّم أكده وزير الاقتصاد والتجارة راوول نعمة بقوله أول من أمس إن «قسماً من الغلاء سببه سعر صرف الدولار، ولا يمكننا التحكم به، وقسم آخر يعود الى ارتفاع الأسعار العالمية بسبب فيروس كورونا، وكلها خارجة عن سيطرتنا» قبل إشارتِه إلى «وجود احتكار وتلاعب بالمعايير، ونحن اليوم وضعنا الملف بيد القضاء لملاحقة المخالفين».
هذه الفضيحة تزداد مأسوية حين يتبيّن وجود مشكلة أخرى في وزارة الاقتصاد ناجمة عن ضعف في فريق عمل الوزارة، الأمر الذي ينعكس عجزاً في ضبط الأسعار ومراقبتها. نعمة كان صريحاً جداً في آخر جلسة لمجلس الوزراء، لجهة الإفصاح عن «مكامن ضعف وعدم القدرة على ضبط الأسعار ومُراقبة كل المُخالفين، لأن عدد المُفتشين محدود». وإزاء هذا الواقِع، لم يُمانِع الوزير التنازل عن جزء من صلاحيات وزارته لمصلحة وزارة الزراعة، حين طرح الوزير عباس مُرتضى أن تتولى وزارته مُراقبة أسواق الفاكهةوالخضر، وعليه جرى إعداد خطة بهذا الخصوص، سيُعلن عن تفاصيلها مرتضى اليوم في مؤتمر صحافي. فما هي الخطوط العريضة لهذه الخطة؟ ومن يضمن أن تنجح «الزراعة» حيث قصّرت «الاقتصاد»؟ وهل يسمح القانون لوزارة الزراعة بأن تُحدد الأسعار؟
وزير الزراعة أوضحَ أن «ليس للوزارة صلاحيات مباشرة على الأسواق والأسعار، وإنما تعود هذه المهمّة لوزارة الاقتصاد»، لكن «الخطة التي وضعناها تهدف إلى التكامل مع وزارة الاقتصاد منعاً لابتزاز المواطنين في هذا الظرف الصعب».
أما الخطة بحسب ما يشرحها معنيون في وزارة الزراعة، فتقوم على «إعلان لائحة موحدة بأسعار الخضر والفاكهة في أول مرحلة، واللحوم في ما بعد». وستصدُر هذه اللائحة أسبوعياً، كل نهار أربعاء، على موقع الوزارة عبر جداوِل تحدد السعر التوجيهي لكل منتَج، ما يتيح للمُستهلك تقدير ما إذا كان الفارق بينها وبين سعر السوق مسموحاً به. وهذا السعر التوجيهي سيُحدّد بناءً على تقارير العاملين في المراكز الزراعية الموزعة على كامل الأراضي اللبنانية (وعددها ٣١ مركزاً زراعياً) والتي ستضع السعرين الأقصى والأدنى. لكن ألا يُشكل ذلك تضارباً بين صلاحيات الوزارتين؟ وفي أي حالة يُسمح لوزارة الزراعة بتحديد السعر؟

في جلسة الحكومة الأخيرة، اشتكى نعمة من ضعف عدد الكادر البشري في الوزارة


تقول مصادر الوزارة إن البلد «اليوم في ظرف طارئ، وهذا الظرف يفتَح باب التأويل، وخاصة أن حركة الاستيراد والتصدير متراجعة، ما يفرض اتخاذ تدابير استثنائية للحد من الاحتكار». ولفتت المصادر إلى أن «وزير الزراعة سأل مجلس شورى الدولة عن الأمر، وكان الجواب أن بإمكان الوزارة تحديد الأسعار، ولكن من دون أن تلعب دور الضابطة»، بمعنى أن ملاحقة المخالفات والمخالفين هي من مهمات وزارة الاقتصاد، ويستطيع أي فرد الاتصال بالخط الساخن لوزارة الاقتصاد للتبليغ عن التجاوزات، بعد الاطلاع على لائحة الأسعار في وزارة الزراعة ومقارنتها بأسعار السوق»، علماً بأن فريق مصلحة الأحراج سيوضع بتصرف وزارة الاقتصاد للمساعدة في عملية الرصد.
وإلى جانب ذلك، تتضمّن الخطة «سلسلة إرشادية للمزارعين لتحديد الأنواع التي يجِب أن تُزرع، بعد تأمين البذور لكل المزارعين الصغار والمتوسطين». وقالت المصادر إن «الوزارة طلبت من الحكومة فتح اعتماد لتوزيع هبات على المزارعين»، في موازاة التنسيق مع منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» بهدف تأمين مستلزمات إنتاجية من بذور وشتول وأدوية وخيم بلاستيكية.