مهما بلغت بنا الرغبة في شرعنة قرارات مجلس الأمن، في ما يتعلّق بالمحكمة الخاصة بلبنان، وكلّ الإجراءات القانونية التي سبقتها، لا يمكن القول إنّ الحالة التي سبقت، أو رافقت أو تبعت اغتيال الرئيس الحريري ترقى إلى حالة نزاع مسلّح ارتُكبت خلاله جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية. وهذه الجرائم هي المبرّر الأساسي، وموضوع عمل جميع المحاكم الدولية التي أنشأها مجلس الأمن.

وإذا أخذنا أيضاً في الحسبان ردود الفعل الشعبية على الصعيد العالمي، حيال الفظائع التي ارتُكبت أثناء النزاع المسلّح في يوغسلافيا سابقاً، وكذلك العديد من القرارات التي اتخذها المجلس لوقف المجازر وجميع الأسباب الأخرى التي دفعت مجلس الأمن للجوء إلى الفصل السابع في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا، نرى أن لا مجال للمقارنة على الإطلاق بالحالة اللبنانية التي نحن بصددها.
ولا غرابة في أنّ خمسة من أعضاء مجلس الأمن، بما في ذلك اثنتان من الدول الدائمة العضوية فيه (روسيا والصين)، قد عارضوا أو امتنعوا عن التصويت على القرار الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان، بحجّة أن لا مسوّغ للّجوء الى الفصل السابع من الميثاق.
وهكذا، إذا احترمت المحكمة الخاصة بلبنان، التي يرأسها القاضي أنطونيو كاسيزي الذي ترأس كذلك المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، مبدأ المساواة في تطبيق القانون واعتمدت المعايير التي اعتمدتها تلك المحكمة، فسيكون من الصعب جدّاً على المحكمة الخاصة بلبنان ردّ الدفع بانتفاء الأساس القانوني للمحكمة.
إذا حسبنا، من وجهة أخرى، أنّ مجلس الأمن لم يكن بحاجة إلى اللجوء للفصل السابع من الميثاق في إقامة المحكمة الخاصة بلبنان، لأنّ أساسها القانوني هو اتفاقية بين لبنان والأمم المتحدة، أو هكذا كان يجب أن يكون، يبقى أنّ الأساس القانوني للمحكمة الخاصة بلبنان هو اتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لصحّتها ونفاذها.
عاملان أساسيان، مثّل غيابهما سبباً أساساً لعدم استيفاء الاتفاقية المنشئة للمحكمة الخاصة بلبنان الشروط الدستورية. تمثّل الأوّل باستبعاد السلطة اللبنانية، المعنية دستوريّاً بالتفاوض بشأن الاتفاقات الدولية، عن هذا التفاوض. وهذه السلطة هي رئيس الجمهورية الذي لم تأخذ الجهة الممثلة للأمم المتحدة بأيّ من ملاحظاته واقتراحاته الخطّية. والعامل الثاني هو كون الاتفاقية لم تحظ بموافقة السلطة التشريعية، بحسب الأصول البرلمانية المتّبعة، كما يقضي الدستور اللبناني، وذلك بسبب خلاف لبناني داخلي حول الاتفاقية.
وعلى الرغم من عدم ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي، في الوضع اللبناني، كجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، وهو ما استلزم تطبيق القانون اللبناني حصراً، وذلك خلافاً لجميع المحاكم الجنائية الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن، فقد لجأ المجلس الى الفصل السابع من الميثاق. والسبب وراء ذلك هو إعطاء الصيغة التنفيذية لاتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لصحّتها ونفاذها، مخالفاً بذلك قواعد راسخة في القانون الدولي لجهة صحّة الاتفاقات الدولية ونفاذها.
ويبدو أنّ مجلس الأمن، من خلال لجوئه إلى الفصل السابع، أراد أن يمنح نفسه رخصة لمخالفة مبدأ أساسي من المبادئ المنصوص عليها في المادة الثانية من الميثاق (المادة2 (7)). يحرّم المبدأ على الأمم المتحدة التدخّل في الشؤون الداخلية للدول «على أنّ هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع». تصرّف مجلس الأمن وكأنّ التقيّد بأحكام الدستور اللبناني، في إبرام الاتفاقيات الدولية، يمثّل تهديداً خطيراً للسلم العالمي، ويقتضي اتخاذ تدبير قمعي هو إعطاء الصيغة التنفيذية لاتفاقية فاقدة الشروط الدستورية لصحّتها ونفاذها. من الصعب أن نتصوّر إساءة لاستعمال السلطة وخروجاً على الصلاحيات، أكثر إمعاناً من هذه الإساءة وهذا الخروج على الصلاحيات اللذين قام بهما مجلس الأمن.
فلو اعتمدت المحكمة الخاصة بلبنان، بقيادة كاسيزي، الاستقامة في اعتماد مبدأ المساواة في تطبيق القانون، وتجنّبت ازدواجية المعايير في النظر بالدفع بعدم قانونية المحكمة، لخلصت إلى أنّها تفتقر إلى الأساس القانوني في اقامتها. وكانت، بذلك، ضمنت لنفسها النزاهة والكفاءة والاستقلال عن القوى والمآرب السياسية التي كانت وراء إنشائها. كذلك، كانت قد أعادت الى العدالة الدولية سمعة باتت بأمسّ الحاجة اليها، ولشاركت فعلياً في إنهاء الأزمة اللبنانية وضمان السلم الأهلي الذي أدّت قرارات مجلس الأمن، بما فيها قرار إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان، دوراً أساسياً في تهديده، وما جرى ويجري على الأرض يشهد بذلك.

مقتطفات من مقالة للراحل داوود خير الله بعنوان
«المحكمة الدولية: ماذا عن المساواة في تطبيق القانون؟»
(«الأخبار»، 15 آذار/ مارس 2011)