بعدما كانَت لجنة إدارة واستثمار مرفأ بيروت قد أعلنت عن إجراء مناقصة عامة عالمية لإدارة وتشغيل محطة الحاويات في المرفأ، داعيةً الشركات الراغبة في الاشتراك في المناقصة إلى تقديم عروضها ابتداءً من 17 كانون الثاني 2020 الماضي حتى 17 آذار الجاري، جاءَ قرار وزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجار ليؤجل موعد فضّ عروض المُناقصة وإحالة دفتر الشروط على دائرة المناقصات لدرسه وإبداء الملاحظات على مضمونه.

قرار الوزير كانَ لافتاً، إذ أتى بعدَ أيام على ادّعاء المدّعي العام المالي علي ابراهيم على رئيس اللجنة المؤقتة لمرفأ بيروت بجرم هدر المال العام والإهمال الوظيفي، خاصة أن «الإدارة المؤقتة» كانَت تحتكِر قرار بت دفتر الشروط وإجراء المناقصات أو توقيع العقود بالتراضي. ولأن سبب ادّعاء إبراهيم على قريطِم هو في جزء كبير منه مرتبط بملف المناقصات في المرفأ. فهل ثمة ربط بينَ المسارين؟
ينفي الوزير نجار وجود علاقة بين «إعطاء الإذن بملاحقة قريطِم، وإحالة دفتر الشروط الى إدارة المناقصات». وفي اتصال مع «الأخبار» يقول إنه «ردّ دفتر الشروط لوجود ملاحظات عليه، وهي ملاحظات سمعتها أيضاً خلال جلسة للجنة الإدارة والعدل كانَت تبحث في موضوع المرفأ»، مؤكداً أن «هذه الخطوة تحقق الشفافية. ففي حال وجود ثغرة أو أكثر يبقى مفيداً أن تكون إدارة المُناقصات هي الحكم».
بدورها، قالت مصادر في لجنة «الإدارة والعدل» إن الثغرات الموجودة في دفتر الشروط لها علاقة بالمدة الزمنية للتلزيم، خاصة أننا نبحث اليوم في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومن ثم نسبة أرباح الدولة من العائدات، كذلك الشروط الموضوعة على الشركات، والتي تحصر المنافسة بين ٣ أو ٤ شركات، فيما نحن بحاجة إلى أكبر عدد من العروض، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي نعيشها.
حتى نهاية الأسبوع الماضي، لم يكُن دفتر الشروط الخاص بمناقصة محطة الحاويات قد وصل إلى إدارة المناقصات. لكن قبلَ أيام من قرار نجار وصلت إلى الإدارة ثلاثة دفاتر شروط مُرسلة من وزارة الأشغال، بحسب ما قالت مصادر «المناقصات» لـ«الأخبار». الأول لمناقصة تهدف الى تأمين سائقين لتفريغ بواخر وتحميلها (Ro Ro) في مرفأ بيروت. والثاني، مناقصة عامة لمشروع تأمين عمال لزوم إدارة عمليات المرفأ، أما الثالثة والأخيرة فمتعلقة بمناقصة عامة لتنفيذ بعض أعمال تأهيل سكك الحديد تحتَ رافعات الأرصفة على طول الرصيف ١٦ الشرقي في مرفأ بيروت.
الملفات الثلاثة الموجودة في عهدة إدارة المُناقصات لا تزال قيد الدرس، بينما سُجّلت ملاحظات أولية على كل منها. ففي موضوع تأمين عمال لزوم إدارة العمليات في مرفأ بيروت عن طريق مناقصة عمومية، وقبلَ الدخول في تفاصيل دفتر الشروط، اعتبرت إدارة المُناقصات أن إجراء هذه المُناقصة «يُخالِف القرارات الصادرة عن مجلِس الوزراء وقانون الموازنة العامة التي شددت على وقف جميع أنواع التوظيف والتعاقد في القطاع العام». أما بشأن دفتر الشروط الخاص بهذه المناقصة، فتُفضّل الإدارة أن تكون مدة التلزيم سنة واحدة بدلاً من ثلاث سنوات، عملاً بمبدأ سنوية الموازنة، قابلة للتجديد لمدة سنة كحدّ أقصى، على أن تكون الأولوية لإجراء مُناقصة عمومية.

نجار لـ«الأخبار»: إحالة دفتر الشروط على «المناقصات» تحقق الشفافية


الملاحظات نفسها تقريباً وضعتها إدارة المُناقصات في معرض إبداء الرأي في دفتر الشروط الخاص بتأمين سائقين في المرفأ. فرغم الاطلاع عليه، أكدت أنها لا توافق على خيار التلزيم في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية، متسائلة «لماذا لا تتمّ دراسة إمكانية نقل موظفين أو مياومين في القطاع العام وتأهليهم للقيام بالأعمال المطلوبة، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية إقفال بعض المؤسسات العامة ونقل الموظفين فيها الى مؤسسات أخرى». وفيما كانَ مُستغرباً تحديد اسم بواخر (RoRo) في دفتر الشروط، تفضّل الإدارة أيضاً أن تكون مدة التلزيم سنة واحدة بدلاً من ثلاث.
أما بشأن مناقصة تأهيل سكك الحديد تحتَ رافعات الأرصفة، فهنا بعض من ملاحظات الإدارة: ما هو مصير القطع القديمة وكيفية الاستفادة منها؟ ولماذا يحق لمصانع سكك الحديد العالمية الاشتراك في المناقصة، ألا يوجد شركات لبنانية لديها خبرة في ذلك؟ أسعار التأمين المؤقت وقيمة الالتزام يجب أن تكون بالعملة اللبنانية حصراً.
بينَ إرسال دفاتر الشروط كلها الى إدارة المناقصات بدلاً من تركها في يد لجنة المرفأ، واستدعاء قريطم على خلفية المناقصات في هذا المرفأ يبقى السؤال عمّا إذا كان الغطاء قد رفع عن قريطم وتقرر سحب كل الملفات من يده.
قد تكون الإجابة في تأكيد مصادر في النيابة العامة المالية أن قريطم غير متّهم بجرم السرقة أو الاختلاس. أما الادعاء عليه والتحقيق معه فقد جرى على خلفية المناقصات أو العقود بالتراضي التي كانت تُجريها إدارة المرفاً، ولذا وجّهت إليه «تهمة» الإهمال الوظيفي. فعلى الرغم من أن القانون يسمح لقريطم بإجراء عقود بالتراضي، إلا أنه «صار يعتبرها قاعدة وينفذها باستنسابية». ولأن العقود بالتراضي غالباً ما تكون حولها علامات استفهام، استُجوِب قريطم بشأنها. فتارة كانَ يقول إن شركة محددة حصلت على عقد بالتراضي بسبب الثقة بها والتجربة معها، فيتبين أن الشركة نفسها أخذت عقوداً أخرى عبر مناقصات. وتارة أخرى يشير إلى أن الشركات الجديدة تدخل كلها في مناقصات ثم يتبيّن أن شركة جديدة لم تعمَل سابقاً في المرفأ حصلت على عقد بالتراضي!