التخلّف عن سداد الديون صار أمراً واقعاً. لكن تبقى آليات العمل. ولذلك، تحتاج الحكومة إلى تعيين استشاريين اقتصاديين وماليين وقانونيين، سعياً منها لتخفيف تداعيات التخلف، وأخطرها الحجز على ممتلكات الدولة في الخارج. يتوقع أن يكون الوزير السابق ناصر السعيدي المستشار الاقتصادي. ويتوقع أن يعمل متطوعاً، لكن في المقابل ستجرى مناقصة لتعيين المستشارين المالي والقانوني. في الحالة الأولى تتنافس سبع شركات، وفي الثانية ثلاث شركات (راجع «الأخبار» أمس). لكن بالرغم من أن «مناقصة» ستجرى في هذا السياق، إلا أن المستشار القانوني صار اسمه شبه محسوم بالنسبة إلى كثيرين. هو ليس سوى الوزير السابق كميل أبو سليمان، الشريك في شركة «ديكيرت» للاستشارات القانونية، والذي صار، بحكم الأمر الواقع، حاضراً في صلب النقاشات التي تتكثف قبل الساعة الصفر، حيث يتوجب دفع 1.2 مليار دولار إضافة إلى 143 مليون دولار فوائد. أول من أمس، التقى رئيس الحكومة حسان دياب للمرة الأولى. بُرّرت الزيارة بالاستفادة من خبرته الواسعة في مجال الهندسات المالية العالمية، وبالبحث في الطريقة الأسلم لإعادة هيكلة الديون الخارجية.

أبو سليمان من الداعين إلى مساواة الدائنين بالمودعين. وتوجّهات السرايا صارت شبه محسومة، بالرغم من كل الضغوط التي تمارسها جمعية المصارف وتحذيرها المستميت من إعادة الهيكلة أو حتى إعادة الجدولة (زار وفد منها أمس رئيس الحكومة الذي اكتفى بالإشارة إلى أن القرار لم يتخذ بعد). صندوق «أشمور» الاستثماري انضم إلى الحملة أيضاً، بصفته الأكثر تضرراً من إعادة الهيكلة (يحمل 25 في المئة من السندات التي تستحق الشهر المقبل). لكن هذه الضغوط تواجَه بقاعدة أساسية: لا يمكن تفضيل مصالح الدائنين على مصالح الشعب اللبناني، وبالتالي ما يصح على المودعين من الأولى أن يُطبّق على الدائنين.
بالرغم من أن التوجّه محسوم بدرجة كبيرة، إلا أن النصائح التي تتكرر تدعو إلى عدم الإعلان عن قرار عدم السداد قبل اليوم الأخير الذي يسبق الاستحقاق. فهذا الإعلان، وبغضّ النظر عن تاريخه، سيعني الانتقال إلى مرحلة التخلف عن السداد (Default) مع ما يتبعها من مفاعيل قانونية. لذلك ليست الحكومة مستعجلة، وخاصة أنها لا تزال غير مستعدة لتُفاوض أحداً لأن لا خطة لديها بعد. لكن خلال عشرين يوماً يُفترض أن تكون «سيبة» المواجهة قد اكتملت، فيعلن التخلف عن السداد، مترافقاً مع دعوة الدائنين إلى تشكيل هيئة للتفاوض مع الدولة اللبنانية. المطلوب تعديل بعض أحكام الإصدارات، بما يؤدي عملياً إلى اقتطاع جزء من أصل الدين، بالاتفاق مع العدد الأكبر من الدائنين. التفاؤل كبير بالوصول إلى اتفاق. لكن حتى هكذا اتفاق لا يمنع رفع دعاوى ضد الدولة اللبنانية من دائنين غير مشمولين بالاتفاق. أما القلق من مصادرة أملاك الدولة وأموالها في الخارج، إن وجدت، فهو بحسب خبير قانوني ليس مبرراً تماماً. القانونان الأميركي والإنكليزي لا يسمحان باستعمال أصول المصرف المركزي لإطفاء ديون الدولة. وهذا يعني أنه حتى لو تم الحجز على بعض الأملاك، كطائرات الميدل ايست، فستتمكن الدولة من فك الحجز الاحتياطي.

لا يمكن استعمال أصول المصرف المركزي لإطفاء دين الدولة


ما هو دور أبو سليمان في هذه المرحلة؟ لا يخفي وزير العمل السابق اهتمامه بتمثيل الدولة، كما لا يخفي تفاؤله بإمكانية النجاح. وهو لذلك يفترض أن يتقدم يوم الجمعة بعرضه، على أن لا يتضمن أي أتعاب شخصية، كما يردد. المشكلة ليست هنا. صحيح أن لأبو سليمان باعاً طويلاً في مسألة السندات والإصدارات. لكن أن يقدّم المشورة لرئاسة الوزراء أمر، وأن يكون هو ممثل الدولة اللبنانية في المفاوضات مع الدائنين أمر آخر. هنا يسجل كثيرون ملاحظة تتعلّق بضياع الخط الفاصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. فأبو سليمان هو مهندس إصدارات اليوروبوندز لسنوات طويلة، كما أن شركة («ديكيرت») ومكتب أبو سليمان المحلي (تديره شقيقته) هما محاميا المكتتبين بالسندات. وهذا يعني أن من فاوض الدولة اللبنانية على أحكام إصدار اليوروبوندز، ممثلاً الدائنين، هو أبو سليمان نفسه، علماً بأن المشكلة الأبرز التي تواجه الدولة حالياً هي هذه الأحكام. فإعادة الهيكلة، بحسب العقود الموقّعة، تفترض موافقة 75 في المئة من حاملي السندات في كل إصدار. ومع وجود نحو 27 إصداراً حالياً، فإن مهمة إعادة الهيكلة ستكون معقّدة، فيما كان بالإمكان أن تكون نسبة الـ 75 في المئة شاملة لكل الإصدارات.
يتردد أن أبو سليمان طلب في عام 2015 من وزارة المال تعديل هذا الحكم بحيث تصبح نسبة الـ 75 في المئة شاملة لمجموع الإصدارات، مقابل 51 في المئة عن كل إصدار، كما نصح بالانتقال من اعتماد القانون الأميركي إلى اعتماد القانون الإنكليزي، إلا أن وزارة المال لم تسر حينها بهذا الاقتراح، بحجة الحاجة إلى مرسوم. مع تأكيدها أن هذا الحكم لو أبرم لكان سهّل مهمة إعادة الهيكلة، إلا أن مصادر معنية تشير إلى أن التأثير كان ليبقى محدوداً لكونه سيشمل الإصدارات التي تلت عام 2015، وليس كل الإصدارات.
في بنود عقود الإصدارات بند آخر لمصلحة أصحاب السندات. عبارة Cross-Over، التي تتضمنها الإصدارات، تعني أنه في حال تخلّف الدولة عن دفع إصدار واحد، فستكون متخلّفة تلقائياً عن كل الإصدارات، بما يجعلها كلها مستحقة. دور شركة «ديكيرت» لا ينتهي هنا. شريك أبو سليمان، دوغلاس غيتير، تولى عمليات لصندوق «أشمور» للاستثمار، الدائن الأكبر للبنان حالياً. كذلك فإن أبو سليمان هو نفسه محامي معظم البنوك اللبنانية وكبار المستثمرين اللبنانيين، وأبرزهم بنك عوده وبنك ميد (مثّله في أكثر من 30 عملية بحسب صفحته الشخصية في موقع «ديكيرت»). وهذا يعني أنه في حال تمثيل الشركة، المسجلة في لندن، للدولة، فستُفاوض زبائنها أنفسهم! لأبو سليمان وجهة نظر مختلفة. هو يوضح أنه، خلال مسيرته المهنية، مثّل الكثير من الدول والصناديق والمصارف والشركات في مئات العمليات، التي كانت متناقضة أحياناً، لكن ذلك لم يمنع التعامل مع كل حالة على حدة وبشكل معزول تماماً. بل على العكس، يقول «هذه هي بديهيات العمل للمكتب الذي يخضع للقوانين الأميركية والبريطانية، التي تفرض قواعد صارمة في هذا الصدد». وبالتالي، يضيف، فأن تكون الشركة قد تولت عمليات سابقة لدائنين للبنان لا يشكل عائقاً أمام تولي عملية الدفاع عن الدولة اللبنانية والشعب اللبناني أمام الدائنين الذين سيكون لكل منهم محاميهم أيضاً.