أكثر من أي يوم مضى، بات موضوع دمج الاقتصاد بالبيئة ملحاً. الدمج بمعنى توحيد المقاربات في التشخيص والمعالجة. فالأزمة البيئية باتت مرتبطة بالأزمة الاقتصادية وإحداهما تتغذّى من الأخرى. من هنا، أمام الحكومة المنتظرة، مهما كانت نوعيتها، مهمات شبه مستحيلة للإنقاذ، إذا أرادت أن تغير في الاستراتيجيات والسياسات والأداء... وفي طرق مقاربة الملفات.

دمج الاقتصاد بالبيئة مهمة طالما كانت مؤجلة بحجج مختلفة، رغم مركزيتها، ولا سيما بعد نهاية الحرب الأهلية بداية تسعينيات القرن الماضي. في تلك الفترة، طغى همّ إعادة الإعمار على أي هم آخر اقتصادي - بيئي أو اجتماعي. ورغم انتهاء الحرب، ظل لبنان محكوماً بسياسيين طارئين وخطط الطارئة حتى يومنا هذا. وأُرجئت الخيارات المستدامة في معظم السياسات والقطاعات، سواء في النقل (مشاريع النقل العام) أو في الطاقة (نظام المولدات الخاصة الطارئة أو الاستعانة بالبواخر) وفي القطاعات الإنتاجية (ولا سيما الزراعة والصناعة) وقطاع إدارة النفايات (خطط الطوارئ منذ عام 1997) وإدارة المياه (بيع بالسيترنات والقناني)... كلها خطط طوارئ ما قبل عودة الدولة!
طوال كل تلك الفترة، لم يُدمج الاقتصاد بالبيئة، أي أنه لم يعتمد على مقدرات البيئة اللبنانية، مع أن الميزة التفاضلية الأساسية في بلد كلبنان هي طبيعته وبيئته!
دمج الاقتصاد بالبيئة مهمة لن تكون سهلة أمام وزير/ة البيئة الجديد/ة. لا بل تحتاج هذه المهمة إلى وزير استثنائي في ظروف استثنائية. فما هي مواصفات الوزير الاستثنائي؟
أولى هذه المواصفات أن يكون من ضرّابي طناجر الحراك الغاضبين لا من ضرّابي طبول أحزاب السلطة الفاشلين. وزير متواضع يخاف فعلاً على البيئة ومن غضب الناس بدل أن يخاف على زعل الزعيم الذي أتى به. وزير ثوري وليس صورياً. يضع الاستراتيجيات ويطبّق القوانين. يلاحق المخالفين ويغرّم الملوّثين. يضبط الاستثمارات بدل أن يتحول إلى مستثمر. ويكون موظفاً عادياً عند الناس الذين يدفعون راتبه لا موظفاً لدى من عيّنه أو من يستثمر موقعه من المستثمرين، وخصوصاً كبار الملوّثين منهم.
لم تكن مشكلة وزير البيئة في بداية العهد (طارق الخطيب) أنه لا يعرف شيئاً عن حقيبته فقط، بل لأنه كان يعتبر أن نقطة قوته هي أنه يمثل العهد القوي، وبالتالي لم يكن بحاجة إلى أي شخص أو فكرة أو منظومة تفكير ليقرر. لذلك تخبط في اختيار مستشاريه وفي قراراته السطحية والعشوائية والمتناقضة التي تسببت بتراجع كل الملفات، منهياً ولايته بتمرير تراخيص ومهل وقرارات لا تخلو من شوائب كثيرة. والأمر نفسه بالنسبة إلى خلفه من التيار السياسي نفسه (فادي جريصاتي) الذي اعتقد بأن مجرد تسميته من رئيس تيار قوي، وبمجرد أنه أفضل من سلفه، فهو لن يحتاج إلى شيء ولا إلى أحد. لذلك، يجب أن نقول شكراً للانتفاضة الشعبية التي كتبت على جدران مقر وزارة البيئة «ما عاد تسمّعنا صوتك». ومن الآن وصاعداً، على كل وزير جديد يُسمى للبيئة أن يعرف مسبقاً بأن هناك محاسبة شعبية، طالما أن المحاسبات الحزبية فاشلة ولم تنجح في تحسين الأداء.
عندما يفشل الوزراء من المفترض أن يتحمل المستشارون جزءاً من مسؤولية الفشل أيضاً، إضافة إلى المدراء العامين وكبار المسؤولين في الوزارات. ويفترض أن لا يكافأ المستشار الفاشل أو الساكت عن الحق والأخطاء الفادحة بتعيينه وزيراً!
الملفات كثيرة ومعقّدة، ووصل معظمها إلى حدود اللاعودة، ولم يعد مقبولاً التراخي في الاختيار أو في قبول أي خيار. فملف النفايات عاد إلى ما دون الصفر لناحية نهاية خطط الطوارئ السيئة الذكر من دون بدائل، لا طارئة ولا استراتيجية. كما عادت الفوضى إلى ملف المقالع والكسارات وشركات الترابة. ومع تزايد الغلاء والتلاعب بالأسعار من دون أي رقابة، يتم التلاعب بمواصفات السلع بشتى أنواعها من أجل المضاربات واستغلال الناس، ما سيزيد في النفايات والتلوث ويتسبب في تراجع الصحة وشروط السلامة العامة... وهي مخاطر جديدة ستزيد من خطورة الانهيارات الحاصلة في كل القطاعات.
كل هذه المخاطر الاقتصادية - البيئية، وغيرها الكثير، تحتاج إلى تغييرات جذرية في طرق اختيار الأسماء والحقائب، ولا سيما تلك الحساسة والحياتية كوزارة البيئة.
في زمن المحاسبة والثورة والتغيير، يفترض أن تفتح كل الملفات والاحتمالات. وفي زمن سيطرة الشعور العام عند اللبنانيين بأن كل شي ينهار، يفترض على الثورة أن تحاول إحياء قيم وممارسات جديدة ثورية ومنقذة. وعلى الحراك الذي لم يترك الساحات أن يترك سقف المطالب والتوقعات عالياً لكي لا يتسلل الوصوليون والمنتفعون والسطحيون والخانعون ومطأطئو الرؤوس.