أطلق رياض سلامة، بوصفه زعيم القطاع المصرفي في لبنان، وليس حاكماً لمصرف لبنان، المعركة المضادة الهادفة الى إعفاء نفسه ورفاقه في القطاع من أي مسؤولية عن الخراب الواقع في لبنان. وترافقت المقابلة ــــ الترويج لحاكم مصرف لبنان، أول من أمس (على قناة «أم تي في»)، مع بيان «غاية في النبل» وزعته جمعية المصارف (رفضت «الأخبار» نشره) تعبّر من خلاله الجمعية، عن أبهى صورها الوطنية كحامية لهذه البلاد...

سلامة كان قد عمل خلال الشهرين الماضيين على عقد لقاءات مع كل من يعتقد أنه صاحب تأثير في ما يجري في البلاد، بمن فيهم ناشطون وفاعلون في المجموعات التي تدّعي النطق باسم الحراك، والتقى قيادات وقوى سياسية، في مقدّمها قيادة حزب الله، وعرض الواقع من زاويته، مغرقاً محدّثيه بسيل من المعلومات والأرقام، ورامياً كرة المسؤولية في حضن السلطة السياسية، من زاوية أنه سبق أن حذر ــــ على طريقة الدول الخارجية ــــ من أن عدم التزام برنامج إصلاحات يقترحها هو سيؤدي إلى الانهيار.
وإذا كان سلامة يعاني من مشكلة في التعبير عن أفكاره شفاهة، ولطالما اتّكل على موظفين عنده للتعبير عن أفكاره كتابة، إلا أن بيان جمعية المصارف كتب بهدوء وتأنٍّ، لكنه عكس، ببساطة شديدة، العقل المتحجّر والمتخلّف للقائمين على هذه الجمعية، والتي ليس فيها ما يرتبط بالعصر والتطور، فضلاً عن الأخلاق (أعرف شخصياً سبعة من كبار المعنيين بالقطاع المصرفي، وسَمِعتهم على مدى عقدين من الزمن وهم يعبّرون عن احتقارهم لهذا «الإطار المتخلّف الذي لم ينفع يوماً في حماية القطاع أو خدمته، بل كان ولا يزال منصّة لشخصيات تسعى من خلاله الى احتلال مواقع عامة في السلطة»).
أخطر ما عبرت عنه الجمعية استنتاجات؛ منها أن «الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين الأول الماضي إنما أتت نتيجة أداء المسؤولين عن إدارة البلاد الذين عملوا لعقود مضت على إعلاء مصالحهم. (...) قامت الأزمة الأخيرة في وجه سوء الإدارة والفساد المستشري في الدولة (...). بقيت جمعية المصارف، كما عادتها، الى جانب الناس ومصالحهم، مبتعدة عن أي استغلال رخيص للضائقة المعيشية التي يمرّون بها (...) وإن عدم ثقة المواطنين بإدارة الملفات المالية لا يجب أن ينسحب الى عدم ثقة بالمصارف التي لطالما شكّلت الحجر الأساس للاقتصاد اللبناني الحر».
الله أعلم من هو العبقري الذي كتب هذا البيان ــــ الإعلان، ومن هو العبقري الذي نصح الجمعية بنشره على أساس أنه مانيفستو لثورة شعبية ستهزّ البلاد نصرةً للمصارف المستضعفة والمقهورة بفعل الزعران. ويمكن، ببساطة، ضمّ هذا البيان الى ما يمكن جمعه ولصقه وإعادة صياغته مما قاله رياض سلامة في المقابلة (الإعلان الترويجي، المشروط بالتوقيت ونوعية الحضور والآراء المفترض قولها وساعة البثّ وضمان عدم وجود أيّ تجمّع خارج الاستديو... إلخ)، وهو ما يسمح بهدوء وراحة ضمير، بوصف رياض سلامة ليس بالوقح وحسب، بل بالمزوِّر أيضاً. هو الثابت الوحيد في التركيبة اللبنانية منذ سيطرة الحريرية على الاقتصاد، بتحالف مع قادة قوى وممثلي طوائف لا يزالون يتحكمون بالمفاصل، من المجلس النيابي الى الإدارة العامة، إلى سائر مؤسسات القطاع العام والخاص. رياض سلامة هو الشاري الأكبر لذمم السياسيين والتجار وعائلات كبار المسؤولين على اختلاف طوائفهم. وهو الذي يتصرف على أنه مالك حصص وازنة في المصارف نفسها وفي وسائل الإعلام والإنتاج العام، والفنادق والمطاعم والشركات العامة. رياض سلامة يمثّل اليوم الوجه القذر لهذا النظام... ولذلك وجبت إقالته وإخضاعه لمحاكمة ومنعه من مغادرة البلاد والحجز على كل موجوداته!
اليوم يكذب رياض سلامة علناً. هو منع، بالقوة، نشر تقارير تمركز الودائع. وهو استولى على جزء من أموال الضمان الاجتماعي، ومنع إدارة الصندوق من الاستفادة حتى من سياساته النقدية الخرقاء. وهو حوّل أموال المضمونين ــــ على قلّتها ــــ إلى لا شيء. وهو الذي ضاعف أرباح القطاع المصرفي، وفتح الباب على شهيّة غير مسبوقة من خلال برنامج الاستدانة المفتوحة بالتحالف مع أركان السلطة... من قديمها الى جديدها. من السنّية السياسية التي أتت به، الى المارونية السياسية التي ذهبت للعمل في القطاع الخاص بدعمه المباشر، الى الثنائية الشيعية التي تراضيه من أجل لا شيء، وصولاً الى طبقة التجار الذين قبلوا التحول الى مضاربين بالأموال والعقارات وخلافه، وارتضوا سياساته من خلال استخدام أموالهم في ألاعيب الفوائد، وضرب الاقتصاد العام وتعطيله. وهو الذي ساهم في بناء سياسة كانت تمثّل عقل «الحريرية»، ومفادها بأن الدَّين أمر عادي، والمهم هو الاستهلاك حصراً. رياض سلامة هو الذي طبق ويطبق بالحرف تعليمات الولايات المتحدة الأميركية بكل ما يتعلق بالناس الذين يتعاملون بالدولار. ورياض سلامة يساعد كارلوس غصن في مواجهة أزمته، ولا يحرك ساكناً أمام مصارف ورجال أعمال تعرضت لهم الحكومة الأميركية بحجج واهية وأدخلتهم برامج العقوبات. وفوق ذلك، يعمد الى الكذب. يتحدث عن موجودات كأن الناس لا يعرفون حقيقة الوضع. وهو يريد إقناعنا من جديد بأنه غير مسؤول عن الأزمة، وأن المشكلة سياسية واقتصادية حصراً، وكأن لا مشكلة في السياسات المالية والنقدية.

بات بعض الحراك رديفاً للسلطة في منع أي تغيير حقيقي، ولن يكون البديل سوى الفوضى


رياض سلامة أشرف على تنمية غير منطقية وغير قانونية للقطاع المصرفي، إذ تولى تغطية عمليات دمج بأموال تعود الى مصرف لبنان، الذي هو في النهاية ملك الناس في لبنان. هو وضع أصلاً سلسلة رتب ورواتب وبدلات وحوافز لجميع العاملين في المؤسسات التابعة له، وأمسك برقاب المئات من الناس. وهو لا يزال يعمل بالأسلوب نفسه: اكذب اكذب، واتّكل على أن خصومك ليسوا سوى مضاربين، أو مجموعة غير راغبة في التغيير الكبير. وهنا تقع المسؤولية الرئيسية على ميشال عون (وعلى جبران باسيل وكل فريق رئيس الجمهورية) الذي ارتضى التسوية وأبقى على سلامة وتركيبته في إدارة الوضع النقدي في البلاد، والتحكم بأموال الناس وحقوقهم وودائعهم.
رياض سلامة لا يرفّ له جفن وهو يعطي المصارف حقّ تحويل الودائع من عملة الى أخرى. يثبت السعر الرسمي للدولار بـ 1515 ليرة، ويسمح للمصارف بأن تحتفظ بالدولارات التي أودعها الناس لديها، وأن تدفعها لهم بالليرة. وسيكون على المودعين شراء الدولارات من السوق، لكن بالسعر الذي سيلامس الـ 3000 ليرة لكل دولار في وقت قريب جداً. وهو غير مهتم، معتبراً عمل قطاع الصيرفة أمراً عابراً، وهو الذي يعرف أن حجم العمل الذي يقوم به هذا القطاع يشكّل اليوم مركز الثقل في الدورة الاقتصادية، لأن ما يحصل عليه التجار والناس من الصيارفة هو القابل للاستثمار في البيع والشراء والاستيراد.. يقول سلامة إن قانون منع التحويلات الى الخارج غير موجود ويضرّ بالاقتصاد الحر، لكنه يسمح به فقط لقلّة من الناس، وتتجلّى وقاحته عندما يقول إنه لا يعرف حقيقة حجم التحويلات ولا يحق له معرفة الكثير من التفاصيل. وعندما ينفي حصول عملية قصّ الشعر، يريد أن يكذب علينا وهو الذي يعرف تماماً أن هذه العملية جارية من دون توقف، ولكن على أموال المودعين القلقين على مبالغ قليلة موجودة في المصارف، وهم يقبلون بالتنازل عن 30 بالمئة من قيمتها لإنقاذ الباقي، أو هم يقبلون بمعالجة مشكلة المحافظ العقارية للمصرف بأن يستبدلوا الودائع بعقارات ولكن بأسعار منفوخة لا صلة لها بالحقيقة.

تريد جمعية المصارف إقناع الناس بأنها تمثل الخير العام، فيما هي رمز الشر الحقيقي


لكن الأنكى من سلامة، هو هذا التجمع الإرهابي المسمّى جمعية مصارف لبنان. هذا التجمع الذي يترأسه اليوم مصرفيّ يجب التدقيق في سجله العدلي: من أين أتى بأموال مصرفه الأول، وكيف أجرى عملية الدمج، وكيف توسّع حتى يكون على ما هو عليه اليوم، وهو الذي لا نعرف ما هي مشكلته مع الولايات المتحدة الأميركية، علماً بأننا نعرف تماماً أنه لا يقف على جبهات المقاومة في لبنان أو سوريا أو فلسطين. لكن هذه الجمعية التي باتت متخلّفة بكل ما فيها، من مبنى ومكاتب وأمانة عامة وإصدارات وآليات عمل، تريد اليوم إقناع الناس بأنها تمثل الخير العام، فيما هي رمز الشر الحقيقي في هذه البلاد. ولا يمكن التعامل معها بأقل من إخضاعها لمحاكم شعبية، حيث لا مجال لقضاء مرتهن يرفض القيام بدوره في ملاحقتها على جرائمها التي ترتكبها من خلال الاستيلاء على رواتب الناس وأموالهم.

«يسار جورج سوروس» وحراك أميركا... عقبة أمام التغيير
رياض سلامة وجمعية المصارف، ومعهم وسائل إعلام عاملة في خدمة الوحوش والسارقين، ومعهم السياسيون الذين يتقاتلون على حصص حكومية غير آبهين بمصير البلاد... كل هؤلاء، مثل قوى كثيرة في الحراك، وخصوصاً جماعات أميركا وفرنسا بينهم، بالإضافة الى اليسار الليبرالي لصاحبه جورج سوروس، كل هؤلاء شركاء في الجريمة الكبرى التي تُرتكب بحق البلاد، والتي ستزداد وحشيتها قريباً. بات بعض الحراك رديفاً للسلطة في منع أي تغيير حقيقي، فلن يكون البديل سوى الفوضى العامة غير المنضبطة، وهي الفوضى التي تسبق الحرب غير الممكنة في البلاد...
أقيلوا رياض سلامة، وحلّوا جمعيّة المصارف... ولتضع الدولة يدها على كل مصارف لبنان!