على الصحافي الجيد أن يعمل، منذ الآن، على رواية كاملة لكيفية تأليف الحكومة في لبنان، إذ إننا اليوم أمام سابقة في تأليف الحكومات. عدم الوضوح سمة قوية لا تعبّر بالضرورة عن حرفية القائمين على الأمر لإخفاء ما يقومون به، وإنما تعكس حالة من القلق والخشية من الإقدام على دعسة ناقصة تودي بالحكومة فور الإعلان عنها. رغم ذلك، فإن المهتمين، جميعاً، لا يُظهرون حرصاً على تحديد مسبق ودقيق لمهام هذه الحكومة، بل يغرقون في ألاعيب سياسية بالية، هدفها شراء الوقت لا أكثر ولا أقل.

من يريدون حسم التأليف سريعاً مثلهم مثل الذين يريدون أخذ وقتهم كاملاً، ومثل من لا يريدون تأليف حكومة من الأصل، أو من لا يهمهم سواء تألّفت أم لا. وكل هؤلاء لا يقيمون وزناً لما جرى ويجري في الشارع. بل إن الحقيقة القاسية هي أن كل من يعمل على تأليف الحكومة يتذرع بما جرى في الشارع لتحسين موقعه، لا لمحاكاة وجع الناس ومطالبهم.
عملياً، ارتاحت قوى السلطة التي خشيت حراكاً واضحاً وشاملاً بجذريته، الى كون ما حصل لم يعدُ كونه «نوبة غضب» بات بالإمكان السيطرة عليها. وهذه القوى توزعت بين فريقين، أحدهما كان مهتماً بمحاصرة الحراك الذي يريد الغرب وعرب الغرب استخدامه في وجه المقاومة، والآخر انحصر همّه في البحث عن أساليب تجعل الحراك ينحسر، من دون أن يشكل خطراً على مصالحه في السلطة. وحظ الحراك العاثر لا ينحصر في انتهازية قاتلة ومراهقة غير مسبوقة تحكّمت بالفاعلين فيه، بل في كون إدارته السيئة جعلت فريقي السلطة في مركب واحد. فقام تحالف موضوعي بينهما استمر الى مرحلة تأليف الحكومة الجديدة.
لنراقب المشهد:
يقول الرئيس المكلف إنه يريد حكومة تشبهه، من دون أن نفهم ما هو المقصود. يقول عن نفسه إنه مستقل ولا يخضع لإمرة أي مرجعية في البلاد أو خارجها، وإنه صاحب اختصاص وخبرة في الإدارة العامة. وبالتالي، عندما يقول إن الحكومة يجب أن تشبهه، يعني أن الوزراء فيها لن تكون لهم مرجعية في البلاد أو خارجها، وأنهم أصحاب اختصاص ولديهم من الخبرة في حقول عملهم ما يؤهلهم تسلّم مواقع وزارية.
في المرحلة التالية من البحث، يقول الرئيس المكلف إنه لا يريد توزير أي شخص سبق أن تمثل في الحكومة السابقة ويكون تابعاً لحزب أو تيار سياسي. عملياً، يعني ذلك أن كل وزراء الحكومة السابقة لن يكون بمقدورهم العودة الى مقاعدهم. لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام تسوية مع الرئيس ميشال عون باعتبار الوزير سليم جريصاتي مستقلاً، وعضواً في فريق رئيس الجمهورية، ما يسمح بإعادة توزيره، وإن كان عرض بديلاً مثل الدكتور فايز الحاج شاهين، الخبير الدستوري والقانوني والكاثوليكي المسجّل قيده في زحلة. لكنه غير ذلك، لن يقبل بطرح آخر. وهو رفض توزير مروان خير الدين ليس لأنه كان وزيراً سابقاً، بل لكونه محسوباً على تيار سياسي، حتى ولو لم يعترض وليد جنبلاط على تسميته. وهو يضع هذا المعيار ليقفل الباب أمام اختيار الأحزاب اختصاصيين من صفوفها. وفي معرض النقاش معه، يشرح موقفه بالقول: إن زياد بارود هو النموذج المقبول به من المرشحين الذين سبق أن مرّوا على الحكومات. وفكرة المستقل، هنا، صارت أساسية عند الرئيس المكلف. فهو رفض، مثلاً، عودة وزير الصحة جميل جبق، ليس لأنه غير مستقل، بل لكون حزب الله من سمّاه. وبالتالي، فإن اختياره من قبل جهة حزبية على ما فعل الأمين العام لحزب الله يوم أعلن اسمه، يعني أنه صار محسوباً على هذه الجهة، وهو أمر مرفوض في قوانين الرئيس المكلف. ولذلك، فهو لم يقبل أيضاً توزير الدكتور عبد الحليم فضل الله. فرغم أنه اختصاصي، لكنه سيكون حكماً عضواً في كتلة حزبية، الأمر الذي يناقض مبدأ الاستقلالية.
عملياً، تفرض قواعد الرئيس المكلف، إضافة الى الهوية غير الحزبية، أن لا تعلن الأحزاب كافة أنها رشّحت فلاناً أو فلاناً، وأن أي وزير يعلن أنه عضو في هذا الحزب أو ذاك عليه أن يستقيل فوراً أو تتم إقالته. وبالتالي، ممنوع على أي وزير في الحكومة أن يكون عضواً في أي كتلة نيابية. وهو الموقف الذي يجري شرحه للمرشحين، حتى الذين تختارهم القوى السياسية.
ثمة لعبة سمجة تحصل هنا. يجد الرئيس نبيه بري أن غازي وزنة ومحمد سيف الدين (مدير عام المجلس الاقتصادي الاجتماعي) هما الأفضل لتولّي حقائب المالية والزراعة والشباب والرياضة (حصة الشيعة أربعة وزراء مع خمس حقائب). لكن الرجلين لا يحضران اجتماعات سياسية في عين التينة، ولا يجلسان على طاولة أي تكتل نيابي أو سياسي.

ارتاحت قوى السلطة التي خشيت حراكاً شاملاً الى كون ما حصل لم يعدُ كونه «نوبة غضب» بات بالإمكان السيطرة عليها


أكثر من ذلك، عندما يجري حسم هذا الجانب من المواصفات، ينتقل البحث مباشرة الى الجانب الآخر المتعلق بالصفات والخبرات. وهنا يرفض الرئيس المكلف أي محاولة لتوزير غير مستند الى الخبرة والمعرفة. وبحسب قواعده، فإن هذه الخبرة تتوافر، أولاً من خلال السيرة الذاتية للمرشح. بمعنى، إن من يريد أن يكون وزيراً للبيئة أو الاتصالات أو الطاقة أو العدل، يجب أن يكون قد سبق له العمل في هذه القطاعات، ولديه شهادات جامعية تؤهله العمل في هذه الحقول. وهذا ما سهّل، مثلاً، ترشيح عثمان سلطان لتولي حقيبة الاتصالات، على خلفية أن الرجل يوفر شرط الاستقلالية، وهو ابن طرابلس، لكنه ليس على قائمة أيّ من قواها أو أحزابها. لكن الأهم، وفق قواعد الرئيس المكلف، أنه خبير في عالم الاتصالات، وهو يدير الآن شركة اتصالات مهمة في الإمارات العربية المتحدة. وبالتالي، فإن علومه وخبرته هي التي تقوده الى هذا المنصب، كما هي الحال مع الدكتور طارق المجذوب، القانوني ابن صيدا، وصاحب السمعة الجيدة، إذ إنه صاحب خبرة في التعليم، وهو بحسب قواعد الرئيس المكلف مستقل تماماً، ولديه كل المؤهلات التي تجعله وزيراً للتربية (واضح أن الرئيس المكلف يحرص على أن تكون وزارة التربية من حصته). هذه القواعد، تجعل جميع القوى السياسية التي تحمل ترشيحات الى الرئيس المكلف، تطلب من المرشحين إحضار كل الوثائق التي تؤكد، ليس فقط استقلاليتهم عن الأحزاب، بل وتوثق خبراتهم في الحقل الذي يجب أن يعملوا فيه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. لدينا أيضاً معادلة ضمن قوانين الرئيس المكلف، وهي أن الشخصية الخبيرة والمستقلة وغير المنضوية في حزب، يجب أن لا تكون «استفزازية». وهذا يتطلب التدقيق في سيرة المرشحين، حتى التيقن من عدم وجود «سجل عدلي فيه مشاكل مع أحد». وعندما نتحدث عن عدم الاستفزاز، يكون المقصود أنه لا يمكن الإتيان بأسماء تستفز قوى ومرجعيات سياسية وطائفية كبيرة في البلاد، ولا مرجعيات عربية ودولية من شأنها أن تغضب وتعيق عمل الحكومة. ولا يمكن توزير أشخاص يمكن أن يتسبّبوا في مشكلات نتيجة مواقف يطلقونها هنا أو هناك.
حتى اللحظة، نحن نتحدث عن حصص (تخصّ الأحزاب ولو لم يعلن ذلك) وعن وزراء (ترشحهم الأحزاب ولو وفق قواعد الرئيس المكلف) ونظام عمل لمجلس الوزراء، يمنع على جميع أعضائه التصرف من موقع خارج القرار الحكومي. يعني، ببساطة، تظهر قواعد الرئيس المكلف أنه لن يكون مقبولاً أن يخرج وزير ويدلي بتصريحات تتعارض مع موقف الحكومة في أي شأن سياسي أو مالي أو أمني أو قانوني أو خارجي. وأصلاً لن يكون له الحق في التحدث خارج اختصاصه.
لكن، هل انتبه أحد إلى أننا، مع كل هذا الجهد، لم نعرف بعد ما الذي ستقوم به الحكومة لمواجهة الأزمات؟ وهل نحن نعمل فقط لإرضاء الخارج بإبعاد حزب الله عن الحكومة والإتيان بشخصيات «مستقلة» تدير برنامجاً اقتصادياً لا يزال «مكتوم القيد»؟
إذا كان بين الطباخين من لا يعرف البلاد جيداً، فعليه أن يستعد لموجة جديدة من الغضب الشعبي، علّ الله يلهم الناس ولا يسيرون خلف زعران المنظمات غير الحكومية وأتباعهم من المجتمع المدني المريض، وعندئذ، سنكون أمام لبنان آخر!