منذ إبلاغ الرئيس سعد الحريري الرئيس نبيه بري اعتذاره عن عدم تأليف الحكومة، انشغل الجميع بمسألة التكليف ومن ثم التأليف. السلطة عادت الى ألعابها السابقة في التحاصص، والشارع انكفأ ليلعب في خدمة نزاعات قوى السلطة المتنازعة. فيما الثابت الوحيد في المشهد، هم الناس المتعبون، وحال الأزمة الآخذة في التعقيد يوماً بعد يوم.

كل النقاش حول الحكومة الجديدة يسير في سياق مطابق لما كنا عليه قبل اندلاع الأزمة الأخيرة. حتى اليوم، لم يخرج عن لسان الرئيس المكلف، وعن كل القوى، كلمة واحدة عن برنامج العمل المفترض اعتماده لمواجهة الأزمة. كل التسريبات تنحصر في شكل الحكومة وتوزيع الحقائب وأسماء المرشحين، وخلاف في تفسير أصول التكنوقراط والتكنو ــــ سياسي والسياسي المغلّف والمستقل المزيّف، وسط معركة غير مسبوقة على التوزير في صفوف طابقَي السلطة والشارع. لم يكن أمراً مفاجئاً شراهة بعض ناشطي الحراك لتسلّم مواقع السلطة. كما لن يكون أمراً مفاجئاً استماتة قوى السلطة في الدفاع عن مواقعها القائمة. لكن الخطير هو عملية الانزياح الكبرى الجارية لدى الناس العاديين نحو قواعدهم الطائفية والمذهبية والمناطقية الضيقة. نحو من يعتقدون أنه سيوفر لهم بعض المأكل والملبس وقليلاً من الطبابة، في ظل انعدام فرص العمل والإنتاج ونفاد المدخرات الموجودة بين الأيدي بعد تجمد المدخرات في خزائن المصارف.
صحيح، وصحيح كثيراً، أن المعركة في الإقليم والعالم أكثر احتداماً. أميركا تواجه الجميع على جميع الجبهات. وهي تتصرف كفيل أعمى يجوب غاضباً معملاً للزجاج. لا يبقي شيئاً في مكانه أو على حاله. وليس معروفاً متى يأتي من يُخرِج هذا الفيل أو يضعه في قفص من أجل التأهيل. من يصارعه يفعل الكثير للحفاظ على حياة واستقرار. لكنها معركة قاسية، فيها الكثير من التعب والدماء والدموع. ولذلك، لا ينتبه اللبنانيون الى أنهم، هذه المرة، متروكون لأنفسهم. ليس من أحد في العالم سيتأثر بما يعانونه. وليس في العالم من جمعيات خيرية تشفق على الشعب العنيد لتنقذه مرة جديدة من قاع البئر. وهذا ما يعني، ربما للمرة الأولى منذ زمن بعيد جداً، أن لبنان سيواجه أقسى الانهيارات إن لم يتدارك القيّمون على أحواله الأمر، ولن يكون أحد بمنأى عن هذا الانهيار. والفوضى التي تقع في هذه الحالات يصعب تخيّل نتائجها، وإن كان من الممكن تخيل أهدافها الفردية والقائمة على مواجهة العوز ورفض سلطات الأمر الواقع. ما يعني أن الناس سيخوضون، للمرة الأولى، معركة ضد بقاء هذه الدولة وهذه السلطة، لأنهم لا يرون فيها إلا الشر المستطير، ولا يجدون في القوانين إلا حبالاً تلتفّ على أعناقهم. وساعتها، لن يبقى أحد يقف حائلاً بين العام والمشترك والخاص.
ما نعرفه أن اجتماعات عدة عُقدت بين قوى بارزة وشخصيات متنفّذة في المؤسسات القابضة على البلاد، لتدارس كيفية معالجة الأمر. حتى اللحظة، لم ينضمّ فريق جديد الى طاولة الاجتماعات. صحيح أن فوضى الحراك كانت مقصودة من قبل المجموعات العاملة على أجندة لا تخصّ مطالب الناس، لكن، ليس منطقياً أن تعود السلطة الى الاجتماع وكأن شيئاً لم يحصل. أو أنها، في أحسن الأحوال، هي من يقرر عن الشارع ماذا يريد ومن يمثله. هذه فوقية غير مسبوقة من جميع من في السلطة اليوم. هذه عنجهية تقول للناس إن أهل السلطة ليسوا في وارد التراجع أو تعديل آليات العمل. وهذه إشارة سيئة جداً لأنها تعني، أولاً وأخيراً، أنه لا يوجد بين أهل السلطة اليوم، من يريد القيام بمراجعة شاملة تؤدي الى اعتماد سياسات جديدة، ما يفرض تعديلات جذرية في آليات العمل وفي نوعية الأشخاص وشكل حضورهم في الدولة.
صحيح أيضاً أنه يجب التوجه الى جميع المسؤولين لمطالبتهم بالتغيير. لكن الوقائع القاسية تقول لنا إن فريق الحكم الذي قام بعد اتفاق الطائف، والموجود في كل الطوائف، لا يريد التغيير. بل هو يرى في التغيير إطاحة له من مواقعه. هذا ما يجعل فريق سعد الحريري يقاتل بأسنانه من أجل البقاء في السلطة وعودة زُمَره الى موقع المسؤولية. وهذا ما يجعل شركاء الرجل يقاتلون عنه حين يغيب، ويعطلون قيام بديل من دونه، لأنهم يخشون على أنفسهم أيضاً. وهذا ما يجعل كتلة كبيرة من الأحزاب والقوى والمرجعيات السياسية الحزبية والدينية، وقوى اقتصادية ومؤسسات مالية، تمتنع عن دعم أي تغيير ممكن. لأنها تعرف أنها ستخسر كل ما بنته لنفسها خلال ثلاثة عقود. حتى القوى الخارجية لا تريد تغييراً شاملاً، بل ربما تريد تغييراً يحقق مصالحها، مثل الأميركيين الذين لا يهتمون أصلاً لشكل النظام القائم، ولا لمستويات الفقر وانعدام الإنتاج ومعدلات البطالة في بلدنا. ما يهمّهم هو حفظ مصالحهم ومصالح حلفائهم في لبنان والمنطقة. ولا يهمّ من يقوم بالأمر. المهم تحقيقه.

منذ تكليف حسان دياب لا نسمع كلمة واحدة عن برنامج العمل، بينما يضجّ النقاش بالحصص والمرشحين


وإذا كان دخول التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية الى السلطة حقق توازناً على صعيد التركيبة الطائفية ــــ السياسية، فإن دخول حزب الله لم يحدث تحوّلاً جدياً في قوانين اللعبة. لكن النتيجة أن أداء التيار والقوات ظل يراوح مكانه في لعبة المحاصصة، بينما كبّل حزب الله نفسه بتحالفات ترتبط بأولوية المقاومة لديه، ما جعله أسير سياسات أدت الى الانهيار القائم. وبالتالي، فإن توقع أي تغيير في سلوك التيار الوطني والقوات، هو ضرب من الوهم والجنون، لأن سلوك قيادة كل منهما منذ شهور عدة، الى اليوم، لا يدلّ على تغيير حقيقي. بينما السؤال المركزي موجّه اليوم الى حزب الله.
النقاش مع حزب الله طويل ومعقد وحساس. لكنه بات مطلوباً أكثر من أي وقت مضى. وهو النقاش الممكن حصوله على قاعدة أكيدة، وهي حفظ المقاومة كقوة لا تخدم فقط في ردع العدو الإسرئيلي أو التكفيري، بل في منع تجدد الحرب الأهلية في لبنان. ولأن هذه القاعدة ثابتة ثبات أسبابها، فإن النقاش هو حول آلية التزاوج بين المهمة الوطنية الكبرى وإدارة أصعب عملية تغيير مطلوبة لحماية لبنان من الداخل. وفي هذا السياق، لدينا من الأسئلة والهواجس ما يجعل الحزب ينخرط، للمرة الأولى منذ تأسيسه، في معركة الإجابة عن سؤال مركزي: ما هو تصوّر حزب الله للمسألة اللبنانية؟