قبل نهاية العام 2017، اندلع خلاف بين بعبدا وعين التينة حول مرسوم تسوية أوضاع ضباط دورة العام 1994، أو ما يُسمى «دورة عون»، ولم يكن رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بعيداً عنها آنذاك. يومها أراد رئيس الجمهورية ميشال عون منح هؤلاء الضباط سنة «أقدمية»، تعويضاً عن عامين فقدوهما منذ بداية هذه الدورة، بسبب ظروف الحرب الأهلية وما تلاها. لكن فشل الوساطات حالَ دون ذلك، إذ أصرّ عون على المضيّ في المرسوم حاملاً توقيعَه ورئيس الحكومة ووزير الدفاع حصراً، مقابل إصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على توقيع وزير المال عملاً بالمادة ٥٤ من الدستور ومبدأ الميثاقية.

يعود هذا الملف اليوم الى الواجهة من بوابة ترقيات ضباط الجيش، وتحديداً الضباط من رتبة عقيد إلى رتبة عميد. تشير المعلومات الى أن قائد الجيش العماد جوزف عون وقع اقتراح ترقية 126 عقيداً الى رتبة عميد، من ضمنهم ضباط من «دورة عون». لكن المشكلة هذه المرة ليست بين عون وبري. الخطر في الأمر أن الانقسام وقع داخل المجلس العسكري. وأخطر ما فيه أنه انقسام طائفي. فاقتراح الترقية أقِرَّ في المجلس العسكري بالاكثرية. صوّت لصالحه 3 ضباط، وعارضه ثلاثة ضباط. لكن بما ان النظام المعتمد يمنح قائد الجيش صوتاً مرجحاً، صدر القرار. الخطورة تكمن في ان أعضاء المجلس العسكري المؤيدون هم جميعاً مسيحيون، فيما المعترضون مسلمون، احدهم «ممثّل» للحريري، وثانٍ للنائب السابق وليد جنبلاط، وثالث لبري. وإذ تبدي قيادة الجيش انزعاجها من هذه التصنيفات، إلا أنها شديدة الواقعية. وليست صدفة ان يعترض الضباط المسلمون الثلاثة في المجلس العسكري على اقتراح ترقية 126 عقيداً، بذرائع شتى، لكن حقيقتها أن العقداء ينقسمون إلى 28 مسلماً و98 مسيحياً.
الاعتراض على الترقية يُقدَّم أيضاً بصورة أخرى. عدد العقداء المقترحين للترقية كبير جداً، إذ لا يحتاج الجيش إلى 126 عميداً إضافياً. ويستشهد هؤلاء بأن الاقتراح نفسه يشمل ترقية نحو 50 ضابطا من رتبة رائد إلى مقدّم، ونحو 30 ضابطا من رتبة مقدم إلى عقيد، ثم يقفز الرقم إلى 126 عقيد يُراد ترقيتهم إلى عمداء. وترى المصادر أن الحفاظ على الهرم العسكري بصورة طبيعية يوجب أن يتناقص العدد كلما ارتفعت الرتبة، لا العكس، مشيرة إلى أن قيادة الجيش ارتأت ترقية العقداء بعد قضائهم 5 سنوات لا اكثر في رتبتهم الحالية، علماً بأن في مقدورها رفع المدة إلى ست سنوات واكثر، لتقليل عدد مستحقي الترقية.

وزير الدفاع يؤخّر توقيع الاقتراح بعدما تبين ان الحريري لن يوقّع المرسوم


وفيما لا يزال الرئيس بري يلتزم الصمت، علمت «الأخبار» أن وزير الدفاع الياس بو صعب زاره أخيراً، من ضمن حركة اتصالات يقوم بها «الهدف منها احتواء الأزمة (المستجدة) لئلا تفتح باباً لخلاف جديد بين القوى السياسية، على خلفية طائفية، يطيح بترقيات كل الضباط في جميع الاجهزة الأمنية». وفيما اكد مقربون من رئيس المجلس أنه «لن يسمح بأن يكون هذا الملف سبباً لخضة سياسية»، لا يزال وزير الدفاع يؤخّر توقيع القرار، لإعطاء فرصة لقيادة الجيش لإجراء تعديل في الترقيات، بعدما تبين ان الحريري لن يوقّع المرسوم. يبقى السؤال الأبرز: ما الذي يدفع قائد الجيش الى هذه الخطوة، وهو يعلم تداعياتها السياسية والطائفية، في ظل الجو المشحون؟ وهل يسعى الى مراضاة رئيس الجمهورية، من دون أن يتنبه الى إمكانية أن تصيب محاولته هذه سهاماً في غير مكانها، وخاصة داخل المؤسسة التي يقودها؟