ما عادت الاستشارات النيابية - المُزمَع عقدها يومَ غدٍ الخميس - حدثاً بحد ذاتِه، مع ترجيحات بإمكان تأجيلها لمرّة ثالثة. فالضربة القواتية المُباغتة لرئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، رسَمت علامة استفهام، لما لها من دلالات إقليمية ودولية تشير إلى رفع الغطاء عن الحريري. كان صادماً بالنسبة إلى الأخير قرار معراب عدم تكليفه تشكيل حكومة، لكن الخطوة القواتية التي جاءت بإيحاء سعودي بالدرجة الأولى، ثم أميركي، لم توضع بعدها نقطة على السطر. ثمّة حركة تضج بها الأروقة السياسية، وتُضاهي الانقلاب القواتي، وربما تتقدّم عليه، تقوم على تسويق فكرة أن الحريري هو «مرشّح حزب الله وحركة أمل»، والأهم أن «الشيعة اليوم هم من يسمّون مرشّحاً لرئاسة الحكومة»، في سبيل حرق اسم الحريري في الشارع. وهي حركة تختلِط فيها حسابات داخلية وخارجية، ينخرِط فيها بعض المُعارضين لسياسة الحريري منذ إبرامه التسوية الرئاسية مع العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل، ومنهم الرئيس السابِق فؤاد السنيورة والوزير السابق أشرف ريفي.

تأتي هذه الحركة مكمّلة لخطوة معراب، التي يحلو لها كما للمهلّلين لموقفها، تصويرها كـ«قرار مرتبط بمصلحة البلد»، غيرَ أن مغزاها وتوقيتها، وخصوصاً أنها أتت في فجر الاستشارات (التي تأجلت)، يؤكدان وجود غاية مكتومة لإزاحة الحريري. وبعدما كان رئيس الحكومة على بعد أمتار من التكليف، بصفته المرشّح الوحيد، صار هناك اثنان الى جانبه على حلبة المنافسة: النائب فؤاد المخزومي الذي يتمسّك به الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل؛ والسفير السابِق نواف سلام الذي تفضّله الرياض كما واشنطن. فيما لا يزال الحريري هو «الخيار الذي يتقدّم على الآخرين عند الرئيس نبيه بري وحزب الله» من منطلقات عديدة، أولها «تمثيله الكبير داخل الطائفة السنية»، وكون «التفاهم معه يؤمن الاستقرار ويمنع حصول الفتنة، وهو ما لا يمكن أن يكون مضموناً في حالة آخرين»، علماً بأن عين التينة وحارة حريك «لا يتمسكان بالحريري كمرشّح وحيد»، لكنهما «يفضلانه على أن يُسمي هو شخصية أخرى ويُزكيها ويدعمها إذا لم يكُن تكليفه متاحاً».
المؤشرات المُتداولة عشية الاستشارات ترفَع من احتمال إرجائها مرة أخرى، علماً بأن «أجواء القصر الجمهوري تؤكّد تمسّك عون بموعدها، وليُسَمَّ من يُسمّى»، على عكس الحريري الذي يُفضّلها بعد اتفاق مع الأفرقاء، نتيجة هبوط رصيده السياسي (تحديداً المسيحي)، وانكشاف مكانته الدولية. ما حصل يؤكّد أن السحر انقلب على الساحر. فالحريري الذي ظلّ يتصرّف منذ استقالته من موقِع المُرتاح، فيما الآخرون محشورون، تحوّل إلى الحلقة الأضعف. إصراره على استبعاد باسيل من الحكومة وتحميله مسؤولية ما آلت إليه الأمور، جعل التفاهم بينه وبين عون و«الوطني الحر» أمراً بعيد المنال، وتخلّيه طوال السنوات الماضية عن حلفه مع القوات، حصده تخلّياً قواتياً عنه في عزّ الحاجة الى عباءة مسيحية، مصحوباً بإدارة ظهر من الخارج. مع ذلك، لم تتوقف الاتصالات منذ نهار الثلاثاء بين مختلف الأفرقاء، للوصول الى تفاهم، نتيجة وقوف الحريري على مُفترق طُرق: إما العودة الكاملة الى خطّ ما يُسمى 14 آذار للحصول على أصوات نواب القوات. وإما الخروج من المشهد نهائياً (وهو ما لا يستسيغه فريق 8 آذار)، أو التراجع خطوة إلى الوراء في ما يتعلق بشكل الحكومة والشروط التي سبَق أن رفعها، علّ هذا الأمر ينجَح في إحداث خرق ما. حتى ساعات الليل المتأخرة يومَ أمس، لم يُسجّل أي تقدّم. لكن المرجح أن لا تكون الاستشارات الثالثة «ثابتة» مع إصرار الحريري على «نِصاب ميثاقي»، دفعه الى استئناف حركته السياسية. بدأت أولاً من عين التينة، حيث التقى الرئيس نبيه برّي لنحو ساعتين تخللتهما مأدبة غداء، في لقاءٍ هو الأول بينهما منذ الاستقالة. ومن ثمّ اتصاله برئيس «تيار المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، موضحاً «أن كلامه عن غياب الكتل المسيحية الوازنة عن تسمية الرئيس المكلف لم يُقصد منه أبداً أي إنقاص من احترامه الكامل لتمثيل كتلة المردة أو أي من النواب المنضوين في كتل أخرى أو النواب المسيحيين المستقلين».

برّي طالب الحريري بمعاودة تفعيل حكومة تصريف الأعمال


البيان الذي صدر بعدَ اجتماع عين التينة لفت إلى أن «بري والحريري أكدا وجوب تحلّي كل اللبنانيين في هذه المرحلة بالوعي وعدم الانجرار نحو الفتنة التي يدأب البعض على العمل جاهداً نحو جرّ البلاد للوقوع في أتونها». أما في الشأن الحكومي، فشدّدا «على أن الحاجة الوطنية باتت أكثر من ملحّة للإسراع بتشكيل الحكومة وضرورة مقاربة هذا الاستحقاق بأجواء هادئة بعيداً عن التشنج السياسي». وبحسب المصادر «ناقش بري والحريري التطورات الأخيرة»، ولا يزال هناك «تمسّك به كمرشح». وتقول المصادر إن «بري ناقش معه إمكانية التخفيف من الشروط إذا كان راغباً في التكليف، انطلاقاً من مصلحة البلد، أو أقله تسمية أحد من قبله». وفيما قالت المصادر إن «الاستشارات حتى اللحظة قائمة»، أبلغ الحريري بري أنه سيعاود التشاور مع رئيس الجمهورية والقوات مجدداً، فيما طالبه بري بـ«معاودة تفعيل حكومة تصريف الأعمال بالحد الممكن»، وخاصة أن «مرحلتها يُمكن أن تطول».