مصرف «سوسييتيه جنرال» اللبناني أمام القضاءَين اللبناني والفرنسي. قضية جديدة يواجهها الأخير، وتتضمن حجزاً احتياطياً قابلاً للرفع على جزء من رأس ماله في المؤسسة المالية الفرنسية، «ريشوليو - Richelieu»، التي استحوذ عليها في عام 2018. هذا ما «يُبرّر» رفع الدعوى في فرنسا، حيث يملك القضاء صلاحية البتّ في النزاع. «المُتضرر»، شخصٌ لبناني - بلغاري، يملك مؤسسة في بيروت، ولديه حساب في الـ«SGBL» - لبنان، بقيمة 20 مليون دولار أميركي، يزعم أنّ المصرف رفض أكثر من طلبٍ له لـ«تحرير» أمواله المودعة لديه. الرفض يعود إلى ما قبل انطلاق الانتفاضة في 17 تشرين الأول، وسريان الضوابط غير الشرعية على حركة رأس المال، الأمر الذي تؤكده مصادر الـ«SGBL» بقولها إنّ الدعوى لا علاقة لها بالقيود التي تُطبقها المصارف.

لبنانياً، لا تزال القضية في مراحلها الأولى. أما فرنسياً فقد صدر في 29 تشرين الثاني 2019 عن قاضي التنفيذ في محكمة الدرجة الأولى - باريس، قرار بالحجز الاحتياطي على أموال وأسهم «السوسييتيه جنرال» في «ريشوليو»، ضماناً لمبلغ 20 مليون دولار أميركي، أو 18 مليوناً و171 ألف و502 يورو، «تُمثّل ديون مصرف سوسييتيه جنرال لصاحب الدعوى»، كما نصّ عليه قرار القاضي. وفي 3 كانون الأول الجاري، وصلت إلى «ريشوليو» (لم يتلقّ «سوسييتيه جنرال» نسخةً عنها بعد) ثلاثة مستندات مُرسلة من أحد المكاتب الفرنسية المُتخصصة بتنفيذ قرارات قضائية. وقد حصلت «الأخبار» على نسخة منها. ويُمنع المصرف اللبناني، بموجب الدعوى، من التصرّف بالأسهم ورأس المال في «ريشوليو»، إلى حين انتهاء القضية.
الرواية الأولى، تُفيد بأنّ «مُلاحقة» المُدّعي للمصرف بدأت قضائياً في بيروت، بتاريخ 1 تشرين الأول 2019، يوم تلقّى الـ«SGBL» إنذاراً يقضي بدفع المبلغ المطلوب، من دون أن يردّ عليه. إنذارٌ ثانٍ أُرسل في 8 تشرين الأول، أهمل المصرف الردّ عليه أيضاً، فرفع المُدّعي دعوى ضدّ الـ«SGBL» أمام قاضي الأمور العجلة في لبنان، وستُعقد الجلسة في 17 الشهر الجاري. مع بدء التحركات الشعبية، وبدء انكشاف الأزمة في القطاع المصرفي، لجأ المودِع إلى المحاكم الفرنسية، خوفاً على تبدّد أمواله، طالباً الحجز على أسهم وممتلكات «سوسييتيه جنرال» في فرنسا، بما يُساوي رصيد حسابه. وفي 21 تشرين الثاني، تقدّم المُدعي بطلب الحصول على سند قابل للتنفيذ، أمام قاضي الإحالة في بيروت. رغم كلّ ذلك، لا يزال الـ«SGBL» يلتزم الصمت.
المستند الأول في القضية، هو «محضر حجز على الأموال المنقولة المُنظم ضدكم»، ويتضمن الحجز على «الأسهم المملوكة من سوسييتيه جنرال في الشركة المالية ريشوليو، لحفظ ودفع مبلغ 18 مليون و171 ألف و502 يورو». الجملة الأخيرة، ستتكرر في المستندات الثلاثة وقرار قاضي التنفيذ في محكمة الدرجة الأولى - باريس. عنوان المستند الثاني هو «حجز احتياطي ضمانةً لديون» المصرف للمُدعي، وقد وُصفت بـ«المبالغ المُحتجزة». أما المستند الثالث، فيتضمن «رهن الأسهم / الأوراق المالية التي يملكها «سوسييتيه جنرال» في «ريشوليو» - باريس»، بما يُساوي قيمة رصيد المُدعي في المصرف. وبناءً على ذلك، قرّر قاضي التنفيذ، «كتدبير احترازي» الحجز على حصص البنك اللبناني في «ريشوليو»، وقد فوّض «موظفين قضائيين بالقيام بجميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ التدابير الاحترازية في غضون ثلاثة أشهر».
لدى الـ«سوسييتيه جنرال»، رواية أخرى: «هي ليست قصّة شخص يُطالب بوديعته ويحتجزها المصرف»، بحسب مصادر الأخير. ما الموضوع إذاً؟ لائحة العقوبات الأميركية - أوفاك. فوالد المُدّعي هو رجل أعمال، أُدرج في أيلول عام2018 على لائحة «أوفاك»، بـ«تهمة» تجارة النفط مع سوريا، سحب من بعدها العميل مبلغاً يُقارب المليون دولار، وقد جُدّدت في 14 أيلول 2019 الوديعة «موضع النزاع» حتى 14 آذار 2020، أي أنّ العلاقة بين الفريقين «طبيعية». فما الذي استجد حتى يُمنع الرجل من سحب المال؟ تقول مصادر الـ«SGBL» إنّه بعد إدراج شخص على لائحة العقوبات الأميركية، يُصبح «لزاماً على أي مصرف إجراء تدقيق مُعمّق على العمليات والحساب، أكان للشخص أم عائلته، بناءً على معايير عدّة وبالتعاون مع العميل».

صدر عن محكمة في باريس قرار بالحجز الاحتياطي على أسهم «SGBL» في «ريشوليو»

هذا الكلام تنفيه مصادر مصرفية أخرى، مؤكدة أنّه «ليس ضرورياً التدقيق في حسابات أفراد العائلة، ولكن معظم المصارف اللبنانية تقوم بذلك خوفاً من أي عواقب». ترفض مصادر الـ«SGBL» وصف إجرائها بالخضوغ للضغوط الأميركية، أو «مُسايرةً» لواشنطن نظراً لكونه المصرف الوحيد من أصل 11 مصرفاً لبنانياً لم تُسقَط الدعوى ضدّه في نيويورك التي رفعها «مُتضررون من حزب الله». تحتمي إدارة الـ«سوسييتيه» بالتعميم رقم 83 الصادر عن مصرف لبنان، أي «نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب»، مُضيفة بأنّ التدقيق يُصبح أكثر لزاماً «في العمليات غير المألوفة». وبالنسبة إليها، «الـSGBL يُطبّق المعايير الدولية للمحافظة على العلاقة مع مصارف المراسلة في الخارج». ما الأمر «المشبوه» الذي كان العميل / المُدّعي يريد القيام به؟ ترفض مصادر المصرف الكشف عن التفاصيل، «ولكن تسريب الملفّ للصحافة عبارة عن ضغط لأسباب شخصية ومشبوهة. في النهاية هناك قضاء».
«لماذا حين طلب المودِع سحب المبلغ، صار المصرف يريد إجراء تحقيق، والطلب من هيئة التحقيق في مصرف لبنان تجميد الحساب وإقفاله؟»، تردّ مصادر مُطلعة، ناكرةً رواية الـ«SGBL»، ومؤكدة بأنّ هيئة التحقيق سترفض طلب المُدّعى عليه. وتقول المصادر بأنّ التواصل كان يتمّ مع «مسؤولة في المصرف، أرادت من المودِع التوقيع على موافقة نقل الرصيد في الحساب من الدولار إلى الليرة اللبنانية. رُفض الطلب، ولكن بعدها كان سيقبل مقابل سحب كامل المبلغ، حينها بدأت محاولات SGBL تجميد الحساب، وانطلق المسار القانوني».