من المستغرب استغراب عودة الحرائق في موسمها أو استغراب سوء الإدارة عندنا، الا اذا كانت خلفية الاستغراب تتعلق بما إذا كان لا يزال هناك شيء ما ليحترق!

لطالما كانت هناك حرائق طبيعية في الغابات، وإن لم تكن دائماً بهذا الحجم. والسبب في ذلك، كما بات معلوماً، هو الإهمال او الافتعال. إهمال شعبي، وكذلك رسمي عند السلطات المعنية بادارة الغابات والحياة البرية. علماً أنه لم تجر يوماً محاسبة مهمل، ولا تم تاريخياً توقيف مفتعل حريق واحد!
لماذا نستغرب وقد حرقنا كل الخطوط المعيشية التي كانت تربطنا بالبرية، ولم نبق الا الطرقات (وما يسمى العمران) التي دمرت الغابات أكثر من الحرائق.
على المستوى الرسمي لم نقارب المسألة يوما كما ينبغي. ولم نحترم أبسط المبادئ للحماية. بل جعلنا من حماية الغابات والمحميات مزراباً للهدر والمحسوبيات والمشاريع الوهمية. صحيح أن بعض الجمعيات اهتمت، منذ أكثر من عشر سنوات، بالمساعدة على وضع استراتيجيات تمت مناقشتها في السراي وتبنيها في مجلس الوزراء، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، إن لناحية عدم احترام هذه الاستراتيجيات لأبسط المبادئ، أو لجهة الفشل في توزيع المسؤوليات والصلاحيات، او لناحية وضع أولويات وأهداف استراتيجية محددة وفعالة.
لم تُعطَ الأولوية في استراتيجية إدارة الغابات والحرائق لمبدأي الوقاية والمراقبة اللذين يعدّان صمام الأمان للحماية الفعلية. الوقاية، بمعنى الطلب من الوزارات المختصة والبلديات القيام بإجراءات التشحيل اللازمة في الأوقات الملائمة، والمراقبة لناحية الاستعانة بمأموري الاحراج وعمال بلديات متخصصين او تخصيص عمال او طلاب للمراقبة في الاماكن والاوقات الحساسة، تطبيقا لمبدأ «الحريق متى عرف في بدايته سهل إطفاؤه». لو تم تبني هذين المبدأين، لما سارعت جمعيات تأسست على عجل عام 2009 لجمع ما يقارب 15 مليون دولار وشراء ثلاث طائرات، لم تكن ضرورية لناحية تطبيق مبدأ المراقبة ذي الاولوية. ولو استمع المعنيون آنذاك الى النقد الذي وجه لصفقة شراء الطائرات وأخذوا بالبدائل التي كانت مطروحة، لا سيما صرف هذا المال (وغيره بما يقارب خمسة ملايين دولار لجمعيات اخرى)، على تأهيل وتدريب جهاز بشري (رسمي وبلدي وأهلي) للتدخل السريع، مع إنشاء أبراج مراقبة وتجهيزات محددة للتدخل السريع في بداية كل حريق، لكنا أمام مشهد آخر تماماً عما نشاهده اليوم.
مستوى الكذب والاهمال الذي وصلنا اليه، في مجتمعنا على المستوى الرسمي والأهلي، مسؤول أيضا عن زيادة الحرائق، تماما مثل زيادة درجات حرارة الطقس وسرعة الرياح الساخنة.
لذلك لا يمكن رد المشكلة الى الطقس والهواء فقط. ولا الى الادعاء بوجود مؤامرات وافتعال للتهرب من المسؤوليات. المشكلة أن هوانا نحن هو الذي تغير ايضاً، وما عدنا نتمتع بالحس البيئي الطبيعي. وما المراهنة الدائمة على الدفاع المدني للمعالجة في المناطق الا جزءاً من هذا الكذب، لا سيما أن ظروف انشاء هذا الجهاز وتسميته ومهامه كلها توحي بعدم الجدية في المعالجة. فالدفاع المدني يهتم اصلاً بحرائق المدن، وهو مجهز لمعالجة الحرائق في الابنية، وقد أثبتت التجارب فعاليته في ذلك. إلا أنه غير مؤهل ولا مجهز لحرائق الاحراج التي تتطلب جهازاً بشرياً مختلفاً ومعدات مختلفة وتدريباً مختلفاً. والمعلوم أن افتتاح كثير من مراكز هذا الجهاز وعمليات تطويع عناصر فيه كانت دائماً نتيجة وعود سياسية وانتخابية، لم تراعَ فيها الجوانب الاساسية لما تتطلبه مهام جهاز من هذا النوع. وبحجة أن عمل الدفاع المدني تطوعي وليس هناك توظيف، لم نستطع أن نتقدم في تطوير المهام وتحديد المسؤوليات. وظل السجال قائما حول التوظيف والتثبيت، بدل أن يكون حول إعادة النظر في الهيكلية والمهام والتأهيل والتدريب لخدمة الأهداف. مع ذلك نجد اليوم من يستغرب ما يحصل!
الأمر نفسه ينطبق على الوزارات المعنية. وزارة الزراعة لم تستطع حتى الآن أن تطور استراتيجياتها وأجهزتها المختصة (مأموري الأحراج والثروة الحرجية) في أعمال المراقبة الضرورية وتنقية صفوفها من المرتشين. ووزارة الداخلية لم تتمكن من تطوير استراتيجية وقائية مع البلديات، لا سيما تلك التي لديها تماس مع الاحراج المعرّضة للحرائق. ووزارة البيئة لم تهتم الا بالمشاريع التي يمكن أن تستجلب التمويل وأهملت تاريخيا وضع الاستراتيجيات اللازمة والارشاد المدروس، فلا تعرف غير الاستنكار وإبداء الأسف في هذه الحالات. ووزارة العدل لم تفعّل القضاء البيئي المختص ولا طلبت من المدعين العامين ترك ملفات التحقيق لمتابعة مفتعلي الحرائق مفتوحة لمدة طويلة، لمعرفة هوية المفتعلين في كثير من الحالات ومعاقبتهم، طمعا بتوقيف مفتعل حريق واحد ولو لمرة، رغم تزايد الحرائق والشكوك بأن معظمها مفتعل!
سبق أن سخرنا من المراهنة على الطوافات عام ٢٠٠٩ مطالبين باستخدام الأموال التي جمعت آنذاك على الوقاية والتدريب والمراقبة، وصرف مليون او مليوني دولار سنويا لهذه الغاية بدل الصرف على صيانتها، والبقاء على جهوزية عالية في الأوقات الحساسة. فكل من يتابعون قضايا الحرائق يعرفون أن شهري تشرين هما الأخطر حسب الإحصاءات السابقة، بسبب زيادة الجفاف واليباس في الطبيعة اللبنانية في هذا الوقت من السنة... فلماذا لم يتم التحضير على مستوى الوزارات المعنية ومن سيحاسب من على التقصير؟
لم يعد مهما الان رصد عدد الحرائق ولا المساحات المحروقة، كما يحصل بعد كل موجة حرائق. هناك خرائط بالاماكن الحساسة معروفة منذ مدة طويلة. وكان على الوزارات المعنية، لا سيما وزارة البيئة - المؤتمن الأول على كل ما هو بري وعلى الحياة البرية والتنوع البيولوجي الذي لا يعوض - أن تهتم بإنتاج استراتيجيات وسياسات لحماية الحياة البرية بشكل أكبر من اهتمامها بتنظيم الصيد البري الذي كان يفترض منعه كلياً. كما على السلطات الدينية التي لا تزال تمتلك - او تشرف على - القسم الاكبر من المساحات الخضراء المتبقية في لبنان، أن تهتم ايضا بطرق الحماية، بدل اهتمامها بأبشع أنواع الاستغلالات في شتى المشاريع الاستثمارية المخربة والمشوهة... بعد أن تحول معظم رجال الدين إلى رجال أعمال! ثم نستغرب كيف وصلت النيران إلى المنازل!