فعلها النائب السابق وليد جنبلاط، وتقدّم القوى السياسيّة بالنزول الصاخب إلى الشارع. حشد كبير من الاشتراكيين انطلق من الكولا، بعد ظهر أمس، ليتجمهر حول خطاب ناري للوزير وائل أبو فاعور في ساحة الشهداء، وهو يرفع سقف الصراع السياسي في البلاد... من دون مبرّر!

أجندة جنبلاط ليست واضحة هذه المرّة، مثل مرّات سابقة كثيرة، وباعترافه، منها تلك التي سمّاها «لحظة تخلّ»، أو تلك التي سمّى فيها نفسه «أداةً بأيدي الدول» خلال «مراسم» تكريم السفير السوري علي عبد الكريم علي في المختارة، قبل سنوات قليلة.
في الداخل، تتّفق القوى السياسية، أو غالبيتها، على إبقاء الصراع الداخلي تحت التسوية الرئاسية. حتى حزب القوات اللبنانية، وهو أحد أبرز المتضررين من التسوية، يحاذر التصعيد والاقتراب من أي تأثير فعلي على الاستقرار. وحده جنبلاط بات يقارب لعبة الأمن، كما في قبرشمون وقبلها، كذلك في لعبة الشارع أمس.
مفهومٌ هذا القلق الجنبلاطي. فآخر الرهانات الإقليمية التي عوّل عليها... مع فارس سعيد، سقطت جميعها بالضربة القاضية على أرض سوريا، مع انتشار الجيش السوري أمس في الشرق السوري وإعلان الميليشيات تسليمها مناطقها لدمشق برعاية روسية مباشرة وإيرانية غير مباشرة، وترحيب دولي غير معلن، وتعاطف عربي مع سوريا. أمّا في الداخل، فأتى الغطاء المقنّع الذي منحه الرئيس سعد الحريري لإعلان الوزير جبران باسيل عزمه على زيارة دمشق، صاعقاً على جنبلاط، في هذا التوقيت الدقيق.
وإذا كان القلق مفهوماً، فإن ردّ الفعل الجنبلاطي غير مفهوم، بوقوعه خارج السياق الإقليمي والدولي والمحلي. فما الذي يدفع جنبلاط إلى التحرّك في هذا التوقيت ضد سوريا، معاكساً المناخ المصري والإماراتي وحتى السعودي؟ وما الذي يدفعه لرفع السقف ضد الرئيس ميشال عون وباسيل، بعدما سحب عون فتيل التفجير في الجبل قبل شهر، وقَبِلَ بترحيب الوزير أكرم شهيّب به في قصر بيت الدين، كرمى للتهدئة، مانحاً جنبلاط شحنةً من الدعم المعنوي؟
تقتنع أكثر من شخصية سياسية بارزة في البلاد بأن التصعيد هو وسيلة جنبلاط الوحيدة اليوم للتعبير عن أزمته. ويضع هؤلاء الهجوم المفاجئ على العهد وباسيل في الأيام الماضية، «كردّ فعلٍ أوّلاً على عدم قبول عون لفلفة قضية قبرشمون، وقيام القوى الأمنية بتوقيف بعض الاشتراكيين أخيراً»، فضلاً عن «حاجته إلى خلق عدوّ في التجاذب الداخلي يساعده على شدّ عصب مناصريه، فيستسهل الهجوم على باسيل وعون».
أما السبب الثاني بالنسبة إلى هؤلاء، فهو محاولة جنبلاط المزايدة على الحريري وإحراجه في ملفّ العلاقة مع سوريا، بعدما شعر بأن رئيس الحكومة لم يعد في موقع المعرقل لحصول تواصل رسمي حكومي مع الحكومة السورية.
أبو فاعور عبّر عن الموقف الجنبلاطي العالي السقف أمس، في ساحة الشهداء، بقوله: «أنتم المؤامرة الاقتصادية على لبنان، تدمرون الاقتصاد لأنكم تبحثون عن تجديد تواجدكم في السلطة، وهناك فريق سياسي يتحكم في كل الوزارات والقرار السياسي والأمني. تضعون الأزلام وأولاد الأزلام ونساء الأزلام في السلطة، استقيلوا. تتحدثون عن قلب الطاولة، على من؟ الطاولة طاولتكم والأزلام أزلامكم، تحتكرون الطاولة ومن عليها. أنتم عاجزون». وأضاف أبو فاعور عن باسيل من دون أن يسميه: «قال قائدهم بالأمس في مشهد بطولي إنه يريد الذهاب الى سوريا من أجل إعادة النازحين، قلتم سابقاً إنكم ستذهبون لاستعادة المفقودين، وأنتم اليوم لا تذهبون الى سوريا من أجل إعادة النازحين، بل تذهبون لتتوسلوا الرئاسة، لأنه قيل لكم إن طريق الرئاسة يمر من دمشق، وآن الأوان لأن يقول لكم الشعب ارحلوا».

الحريري أراد فرض الـTVA على «الكماليات» من دون تحديد هذه «الكماليات»


هذا الموقف قاله وزير الصناعة بعد خروجه من جلسة مجلس الوزراء التي عُقِدت أمس في السراي. وعلى طاولة الحكومة، قال أبو فاعور، مع زميله شهيّب، الموقف نفسه، وبمنسوب الصراخ نفسه. الوزير باسيل، في المقابل، ترك مقعده، واتجه نحو «البوفيه»، وصبّ لنفسه الشاي. وبعد انتهاء أبو فاعور، طلب وزير الدفاع الياس بوصعب الكلام، فقال له شهيّب: انتظر لأنني أريد أن أضيف شيئاً. هاجم شهيّب العونيين بحدّة أيضاً. وما إن انتهى حتى قال بوصعب متوجهاً إلى الحريري: «تعرفون أنني مدعو إلى مؤتمر وعليّ المغادرة، لكن أريد أن ألفت نظركم إلى مسألة الموازنة العامة». فوجئ الحاضرون بتجاهل بوصعب، وجميع زملائه في تكتل لبنان القوي، لكلام شهيب وأبو فاعور. فقد طلب وزير الدفاع تأجيل بتّ البنود الخاصة بموازنة الجيش وقوى الأمن إلى حين عودته من السفر. وهذا ما كان.
لكن الجلسة لم تنتهِ من دون «مشكلة». فعندما بدأ مجلس الوزراء البحث في «الأوراق الاقتصادية» التي تلقّتها «لجنة الإصلاحات» من المكوّنات الحكومية، اقترح الحريري زيادة نقطة مئوية على ضريبة القيمة المضافة، لتصبح 12 في المئة، فضلاً عن زيادة الضريبة نفسها على الكماليات، طالب وزراء حزب الله بوضع لائحة لتحديد الكماليات لكي لا يُستغل ذلك لكي تشمل الضريبة سلعاً أساسية. كذلك أبلغ وزير الشباب والرياضة الوزير محمد فنيش الحريري رفض حزب الله لزيادة الضريبة على القيمة المضافة. مباشرة، عبّر باسيل عن رفض تكتل لبنان القوي لزيادة الـTVA، فوقف الحريري ورفع الجلسة «حرداناً». ولم يُعرف مصير نقاشات الموازنة التي ينبغي أن تُحال على مجلس النواب قبل الثلاثاء المقبل.