أخذ ملف الاتصالات منحىً مختلفاً منذ أن كُشف عن استدعاء المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم لوزير الاتصالات محمد شقير وسلفيه جمال الجراح وبطرس حرب. فسلوك تيار «المستقبل»، إثر الاستدعاء، يوحي بأنه وجد ضالته للتحرر من الضغط الذي يواجهه نتيجة الوقائع المعروضة في لجنة الاتصالات.

أعلن الوزير محمد شقير أنه والجراح لن يذهبا «إلى المدعي العام المالي لا لشرب القهوة ولا لشرب الشاي»، داعياً إلى الاستماع إلى كل وزراء الاتصالات منذ العام 1992.
على المنوال نفسه غزل الجراح، معتبراً أن إبراهيم تجاوز المدعي العام التمييزي، بينما كان يجب أن يطلعه على الملف. لكن في المقابل، تكشف مصادر مطلعة أن ذلك يتناقض مع سياق القضية الذي يؤكد أن المدعي العام التمييزي السابق كان أحد أضلعه.
بدأت القصة في جلسة مناقشة الموازنة التي عقدت في حزيران الماضي. حينها، وبعد أن أثار النائب جهاد الصمد مجموعة من القضايا المرتبطة بالقطاع، توجه الرئيس نبيه بري إلى وزير العدل ألبرت سرحان بالقول: خذ كل المعلومات من الصمد... و«بدي نتيجة».
وعليه، زار الصمد سرحال، عارضاً عليه كل المعطيات التي يملكها، فما كان من الأخير إلا أن خاطب بدوره النائب العام التمييزي (السابق)، داعياً إياه إلى التوقف عند بعض المخالفات التي أثيرت، معدداً بعضاً منها. وبحسب المعلومات، فقد حول المدعي العام التمييزي، بدوره، الملف إلى المدعي العام المالي علي إبراهيم، الذي استمع إلى الصمد في 27 آب الماضي. ولما كانت إفادة الصمد في الملف، الذي أخذ فيه صفة الإدعاء الشخصي، قد ركّزت على موضوع «أوجيرو» تحديداً، فقد ارتأى إبراهيم أن يتوسع في الملف، ربطاً بما يتم كشفه في لجنة الاتصالات وفي الاعلام.
في سياق المواجهة المستقبلية، كان شقير قد أعلن الخميس أنه منع إدارة «تاتش» من حضور جلسة للجنة الاتصالات يوم الإثنين (كانت جلسة أمس مخصصة لمناقشة ملف الشركة)، مشيراً إلى أنه «إذا أرادوا أن ينزل أحد فأنا سأفعل ذلك بالتأكيد». قال ذلك، كما لو أنه لا يفوّت أي جلسة، هو الذي سبق أن تغيّب ثلاث جلسات متتالية، من دون أي عذر شرعي سوى أنه ينزعج من وجود النائب جميل السيد الذي «يتهجّم عليّ بطريقة شخصية». أما الكارثة، فكانت ضرب شقير للحق الرقابي الذي يمارسه مجلس النواب، من خلال تسخيفه لعمل اللجنة واعتباره أن الملفات التي تناقشها «ساهمت في هدر 75 في المئة من وقت المدراء العامين»، مشيراً إلى أنه «ليس لدي المزيد من الوقت لإضاعته».

المدعي العام المالي استدعى الوزراء بناءً على إشارة من النيابة العامة التمييزية


في غياب مسؤولي الشركة، كان بديهياً أن تؤجّل الجلسة، خاصة أن شقير لا يحضر، لكن، بشكل مفاجئ، اتصل وزير الاتصالات برئيس اللجنة حسين الحاج حسن، معتذراً عن عدم حضوره لجلسة أمس.
خطوة وزير الاتصالات جاءت متأخرة، بحسب مصادر في اللجنة، إذ تشير إلى أن الجلسات الأخيرة، التي لم يشارك فيها ولم يعتذر عن عدم حضورها، شهدت مجموعة من المعطيات التي تؤكد تورّط أكثر من وزير بالضغط على إدارتي شركتي الخلوي لتنفيذ عقود خلافاً لإرادتيهما، إن كان في ملف مبنى «تاتش» أو في ملف محطات الإرسال، أو في ملف الألياف الضوئية أو عقود الصيانة، إضافة إلى الكثير من الملفات التي كلفت الخزينة مئات ملايين الدولارات.
بعدم الاستماع إلى الوزراء المعنيين، إضافة إلى اعتراض المستقبل على عدم دعوة الوزراء السابقين، ولا سيما الوزير نقولا صحناوي (وهو اعتراض محق، بحسب أكثر من مصدر معني بالقطاع)، تكون القضية قد وصلت إلى طريق مسدود في النيابة العامة المالية، ولا يبقى بالتالي سوى لجنة التحقيق النيابية التي وقّع عدد من النواب على طلب تشكيلها.
ولأن التجاوزات والارتكابات وصلت إلى مستوى يصعب إخفاؤه، فإنه يتوقع أن تستمر هذه الحملة «المستقبلية» لتطال لجنة التحقيق المنتظرة، والتي يفترض أن لا يتأخر الرئيس نبيه بري قبل أن يعرض طلب تشكيلها على الهيئة العامة. لكن مع ذلك، بدأ القلق ينتاب المتحمسين لوصول الملف إلى الكشف عن مكامن الفساد، انطلاقاً من أن النبرة الطائفية التي تواجه الملف كفيلة عملياً بإسقاطه.