فرملت قيادة الجيش اللبناني، أمس، اندفاعة التصعيد بين الضنّية وبشري، ولو مؤقتاً، على خلفية النزاع بينهما حول القرنة السوداء ومشروع بركة سمارة المزمع تنفيذها، بعدما أعلن الجيش قيام وحدات عسكرية، يومي غد وبعده، «بتنفيذ تمارين ومناورات تدريبية بالذخيرة الحية في منطقة القرنة السوداء»، داعياً المواطنين إلى «عدم الاقتراب من بقعة التمارين في الزمان والمكان المذكورين».

كان قرار القيادة العسكرية كافياً ليكبح الرؤوس الحامية على طرفي القمة الأعلى في بلاد الشام (3088 متراً فوق سطح البحر)، ويُبرّد الأجواء قليلاً، ويوقف اندفاعة أطراف في المنطقتين نحو تأجيج الصراع، وتحويله من خلاف عقاري على منطقة كل طرف يقول بملكيته لها ويزعم أن لديه وثائق وحججاً تثبت كلامه، إلى نزاع مناطقي - طائفي يهدد السلم الأهلي على نحو بالغ الخطورة.
إعلان الجيش تنفيذ المناورات فُسّر في كلتا المنطقتين على أنه رسالة بأن المؤسسة العسكرية لن تسمح بحصول احتكاك وانفلات الوضع الأمني، خصوصاً بعدما شهدت القرنة الأحد الماضي إطلاق مجهولين الرصاص، من جهة بشري، على شبان من الضنية كانوا قد صعدوا إلى المنطقة، في خطوة رمزية تهدف إلى التأكيد أنها تتبع منطقتهم، ورفعهم على أكثر من 100 سيارة ذات دفع رباعي أعلاماً لبنانية مرفقة بعبارة «القرنة السوادء ضناوية»، وبعدما كان الشبّان قد أدّوا صلاة الظهر جماعة في موقع القرنة.
هذه الحادثة جعلت أجواء التأجيج الطائفي تتفاقم أكثر، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي مسرحها الرئيسي، بعدما تبعتها دعوة ناشطين من الضنية على مواقع التواصل إلى تأدية صلاة يوم الجمعة في القرنة السوداء، وتأمين حضور حشد كبير، وسط دعوات مماثلة من بشري إلى إقامة قدّاس في المكان ذاته، ما دفع الجيش إلى قطع الطريق على خطوة من شأنها أن تسهم في تطوّر الأمور نحو الأسوأ، فنزع فتيل الأزمة مسبقاً.

وزير المال يعيّن أربعة «مسّاحين» لـ«ترسيم الحدود» بين بقاعصفرين وبشرّي


وفي حين وُجّهت أصابع الاتهام في الضنّية إلى القوات اللبنانية بوقوف عناصر تابعين لها وراء حادثة إطلاق الرصاص، نفت مصادر القوات لـ«الأخبار» هذه التهم، وأكدت أن «تعليمات صارمة صدرت للمحازبين والأنصار لالتزام حدّ أعلى من الانضباط، وعدم القيام بأي عمل استفزازي للطرف الآخر»، متهمة «طابوراً خامساً بالوقوف وراء إطلاق النار». لكن المصادر وجهت، في المقابل، أصابع الإتهام إلى التيار الوطني الحرّ بأنه «يقف وراء تأجيج النزاع بين الضنية وبشري، وتحريض كل طرف على الآخر»، سائلة: «كيف يمكن تفسير قول منسقية التيار الوطني الحرّ في الضنية إن القرنة السوداء ضناوية، وكلام الوزير السابق بيار رفول أمام وليم طوق وفاعليات بأن القرنة السوداء هي قرنة شهداء الموارنة، وتتبع بشري».
وبالتزامن مع خطوة الجيش اللبناني، شهد يوم أمس تطوراً مهماً من شأنه أن يضع حدّاً للنزاع بين الضنية وبشري إذا وصل إلى خاتمته المنشودة، عندما أصدر وزير المال علي حسن خليل قراراً سمّى بموجبه أربعة مساحين للمباشرة فوراً بعمليات ترسيم الحدود بين منطقتي بقاعصفرين وبشري العقاريتين، بعدما عقد على هامش جلسة مجلس النواب أمس لقاءً مع رئيس الحكومة سعد الحريري، حضره النائب سامي فتفت، جرى التطرق فيه إلى موضوع القرنة السوداء والنزاع القائم حولها. ويشكل قرار وزير المال فرصة ليقدم كل طرف في المنطقتين ما لديه من وثائق وحجج ليبنى على الشيء مقتضاه.