الى اليوم، لم يُكشف سرّ مسرّب صورة ظهور عامر الفاخوري مع قائد الجيش العماد جوزف عون، رغم افتضاح سرّ الذين سرّهم هذا التسريب. مع أن الفاخوري مثل لدى أكثر من جهة أمنية وقضائية، إلا أن هذا الجانب الغامض لما توخّته الصورة تلك لا يزال غامضاً رغم صرف الانتباه العلني عنه، وانتقال السجال السياسي الى الفاخوري نفسه بين مطالِبٍ بإدانته وآخر مدافع عن سجله القانوني المنظف.

لم يكن استهداف قائد الجيش من خلال تسريب تلك الصورة، ومحاولة طرح علامات استفهام وإثارة ألغاز من حول علاقة مفترضة بينه وبين عميل إسرائيلي سابق لمجرد أنهما فيها معاً، المحاولة الأولى. قبل ذلك، كان يحلو للبعض أن يتساءل عن أسباب ثلاث زيارات متتالية للولايات المتحدة قام بها عون، لم يسبقه إليها أي من أسلافه في مدة زمنية قياسية، وله بالكاد سنتان ونصف سنة في منصبه منذ آذار 2017. طُرحت أيضاً في أوساط شتى تساؤلات عن الاحتجاب الذي يلزمه عون البعيد من الصالونات السياسية من جهة، والكثير من الإشكالات القابلة للتذليل مع الزعماء والقيادات السياسية التي تلحّ عليه استجابة طلباتها. يكاد لم يتبقّ رئيس ومسؤول وشخصية نافذة لم يشتبك معها ويخيّب ظنّها كلما أخطرها أن تعاملها مع قيادة الجيش يقتضي أن يخضع لقاعدة واحدة: ما خلا الأعضاء الستة في المجلس العسكري وهو أحدهم ورئيسهم يوجب تعيينهم بمرسوم ويخضع اختيارهم لموافقة الأفرقاء السياسيين، فإن ما دون هؤلاء هو شأن القيادة فحسب في تحديد المواصفات والمعايير من ضمن الواجبات والأصول القانونية.
قبل فترة، شاعت أخبار عن احتمال تعيين مدير جديد للمخابرات خلفاً للعميد طوني منصور قبل سنة وثلاثة أشهر من موعد إحالته على التقاعد في 8 كانون الأول 2020، بالتزامن مع طرح ما بين ثلاثة وأربعة أسماء لضباط يُرجح أن يخلفه أحدهم. مع أن التقليد السياسي في لبنان اعتمد منذ مطلع السبعينيات قاعدة راح يطبّقها بجعل قائد الجيش، أحياناً، كبش محرقة النزاعات السياسية كان العماد إميل بستاني أول مَن أُخضع لها، ولاحقاً العمادان إسكندر غانم وإبراهيم طنوس، إلا أنه نادراً ما طُبّقت القاعدة نفسها على مدير المخابرات ما خلا حالتين اثنتين فقط في حقبة ما بعد اتفاق الطائف: إبعاد العقيد خليل جلبوط عن مديرية المخابرات بعد سبعة أشهر من تعيينه فقط عام 1991، ثم تنحّي العميد ريمون عازار من منصبه بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 بطلب إجازة مفتوحة، خلفه فيها العميد جورج خوري. إبان ولايته، استحدث الرئيس ميشال سليمان السابقة المثيرة للغرابة حينذاك، وهي تأجيل تسريح قائد الجيش العماد جان قهوجي ومدير المخابرات إدمون فاضل مرة تلو أخرى.
غير أن تزامن الحديث عن إبعاد منصور عن مديرية المخابرات بلا أدنى مبرر مرتبط بالوظيفة أو الأداء وتسريب صورة قائد الجيش مع الفاخوري أفصح، بطريقة ما، عن واحدة من حلقات استعجال فتح ملف انتخابات رئاسة الجمهورية، مع أن الرئيس ميشال عون لم يصل بعد الى منتصف ولايته.
لم يكن عبثاً ملاحظة إحجام العماد عون، لأشهر خلت، عن أي ظهور سياسي ما خلا جولاته على الثكن العسكرية، وخصوصاً في مرحلة احتدم فيها الكلام عن الاستحقاق الرئاسي من خلال فائض القوة للوزير جبران باسيل في تحركاته أو خلافاته المتلاحقة مع حلفاء الأمس الآخذة في تصاعد محموم مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، بعد النائب السابق سليمان فرنجية، اللذين عُدّا المرشحَين الطبيعيين لمنافسته. جراء ذلك، أبلغ قائد الجيش الى المعنيين بإثارة الغبار من حول علاقته بالاستحقاق وجهة نظره القائمة على معطيات ثلاثة:
أولها، تأكيده أكثر من مرة في لقاء مصارحة مع باسيل أنه غير معني بانتخابات رئاسة الجمهورية، بل بالمؤسسة العسكرية التي يقود، وهو تالياً لا يعيش هاجس الاستحقاق.
ثانيها، تيقّنه من أنه ليس أمام رئيس الجمهورية مفاضلة بين مرشح وآخر، إذ لا مرشح له، منذ اليوم الأول لولايته، سوى باسيل. موقف كهذا ليس مرتبطاً بتقلبات المرحلة شأن ما كان يشاع أيام الحقبة السورية، عندما راحت دمشق تروّج أمام حلفائها المرشحين لإرضائهم وتطمينهم، أن المرحلة هي التي تفرض مواصفات الرئيس المقبل من بينهم. بالنسبة الى الرئيس عون، مواصفات باسيل تطابق كل المراحل، ولذا لا حاجة الى التفكير في مفاضلة.
ثالثها، رفضه استدراج الجيش الى سجال مرتبط، مباشرة أو على نحو غير مباشر، بانتخابات رئاسية لا يزال أمامها وقت طويل لحصولها، هو غير معني سوى بأمنها. تسريب الصورة مع الفاخوري كان جزءاً من محاولة الاستدراج، كذلك محاولة فك الارتباط بينه وبين مدير المخابرات عندما رفض الخوض في اسم أي ضابط آخر يخلف منصور قبل إحالته على التقاعد.

بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، مواصفات باسيل للرئاسة تطابق كل المراحل


مع ذلك، ثمة مرشح جدي ورئيسي وقوي للرئاسة هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بين يديه السلاح الأمضى لمواجهة منافسيه الآخرين جميعهم وهو الليرة اللبنانية، حاذره باسيل، وتصرّف وفق قاعدة شطب المنافسين بالإلغاء التدريجي واحداً بعد آخر. لم يكن ترشّح سلامة للرئاسة خافياً مرة في أي من استحقاقَي 2007 و2014، وصولاً الى الفرصة المأمولة حتى انتخاب الرئيس عون. مع ذلك، منذ اليوم الأول للولاية عُدّ الرجل عقبة في طريق الاستحقاق التالي مذذاك، فقيل ما قيل عن الأسباب التي أدت الى تجديد ولايته ست سنوات في أيار 2014، بعدما كانت مقررة إزاحته الحتمية من منصبه، وشاع الكثير من اللغط عن الكلفة السياسية لهذا التجديد واقترانها بالهندسات المالية. ثم كانت حملة ثانية عليه من الوزير منصور بطيش المرشح السابق لخلافته في نيسان وآب 2009 عن سياسات الحاكم قبل أن تنحسر تماماً إدراكاً من منافسيه أن في وسع الرجل زعزعة الاستقرار المالي متى أشعروه بالتهديد، فيخوّفهم بالليرة.
هو بذلك، منذ 24 عاماً بلا انقطاع، يضفي تدريجاً على صورته ما أضفاه على نفسه في عقد التسعينيات الرئيس الراحل رفيق الحريري إذ اعتبر وجوده في السلطة ضماناً كافياً لاستقرار النقد الوطني، في مرحلة لم يكن قد صعد فيها نجم سلامة، ولا تمرّن كفاية في لعبة المعادلات المتوازنة: ما بين الأفرقاء، كما ما بين الليرة والسياسة.
شأن الرئيس فؤاد شهاب أول قائد للجيش يصير رئيساً للجمهورية عام 1958، والرئيس الياس سركيس أول حاكم لمصرف لبنان يترشح عام 1970 ويُنتخب عام 1976، أضحى القائد والحاكم مرشحَين افتراضيَّين حتميَّين لرئاسة الجمهورية أياً يكن المرشحون السياسيون المتعاقبون الآخرون. وفي كل مرة تمنح فيها الفرصة الأخيرة لأحد المرشحَين الافتراضيَّين الاثنين جراء انقسام المرشحين السياسيين بعضهم على بعض. بذلك تبدو القاعدة لا تزال نافذة حتى اليوم.