بين شاي مرجعيون ومجازر الخيام رمية حجر. تقارب في الجغرافيا وشبه تماهٍ في السياسة والأخلاق. ويضاف إليهم أن الأفعال والوقائع التي يراكمها صبْية السياسة والأمن الجدد توفّر الظروف المثالية المشتهاة لشبه التطابق المرتقب.

يراد لنا التعايش مع فكرة أن معتقل الخيام مجرد خرافة لا أساس لها إلا في عقول بعض المرضى والمهووسين، والعلاج الوحيد هو التجاهل. وهو عين ما يقوم به «الأشباح» من أهل الحل السياسي والربط الأمني من أصحاب الدولة.
ويمكن الإضافة أن معتقل الخيام وهمٌ كامل. وكل كلام آخر لا هدف له سوى النيل من مواطنين لبنانيين شرفاء، وتلويث سمعتهم لأن ذنبهم الوحيد أنهم أخلصوا للبنان «حقيقي» صنعته «استجابة» خارجية بريئة وعاش عليها. ويتصدر قائمة هؤلاء الشرفاء أنطوان لحد وعقل هاشم وفايز كرم وأحمد الحلاّق وأبو عريضة و... غيرهم من اللبنانيين الأقحاح.
وبالتالي، يكون المهم، أن اللبناني الصميم عامر الياس الفاخوري مواطن كامل المواطنية ومستحق لها بدليل خدماته المسجّلة على أجساد ووعي المعتقلين الذين مرّوا به. وهو واحد من الذين قسرتهم الظروف، وتآمر الطبيعة الشريرة، على الغربة والابتعاد عن مسقط الرأس وأرض الآباء والأجداد. لكن الرجل الغيور على بلده قرر، اليوم، التضحية بكل المزايا التي تحققت له خلال مرحلة «الإبعاد»، وقبلها ممارساته الوطنية في المعتقل الذي أشرف عليه. وها هو اليوم، وتلبية لنداء العودة الذي أطلقه غرّ الجمهورية وفارس صلاحياتها المستعادة.
خرافة المعتقل، وخرافة الاعتقال والتعذيب والقتل وفقدان الأعضاء وغيرها من الأفعال الوحشية، هي التفسير شبه الوحيد والمنطقي الذي يخرج به من تسنّت له القدرة على تحمّل فائض الرعونة والاستهتار التي جسّدتها وقائع السماح لخائن وطء الأرض اللبنانية.
إن وقائع الأمس المشينة ترتبط بخطيئة الأمس، حيث الإصرار السياسي المشبوه على تخلية العملاء والمرتكبين الذين أذاقوا مواطنيهم ويلات الموت اليومي وسلبوهم زهرة أعمارهم وتسببوا لبعضهم بفقدان الأعضاء وتشوهات نفسية ومعنوية لا يعالجها مرور الزمن...
ثمة أداء سياسي قاصر وأرعن لأطراف وصلت إلى السلطة، وما كانت لتصل حتى ولو أطبقت السماء على الأرض، لولا تضحيات هؤلاء الذين قدموا الدماء والدموع ومعها كامل الأعمار. وجوهر هذا الأداء القاصر والمشبوه أنه يضيف إلى التنكّر والعبث بالتضحيات التي لا تقدّر بثمن، هو التخفّف الفاضح المريع والوقح من ألف باء الوطنية وموجباتها. وعلى هؤلاء الذين تيسّر لهم الوصول أن يعلموا أنه لولا تضحيات وعذابات ودماء هؤلاء لاختفت الدولة ومعها المناصب. إن ما قام به هؤلاء الذين تسلقوا السلطة، لجهة تسهيل عودة العميل الفاخوري هو تمادٍ في الوقاحة وتماهٍ موصوف ومشهود مع تاريخه المخزي. وقد آن أوان ردعهم.

مرور الزمن لا يمكن أن يحول دون الاقتصاص من حفنة تواصل تلويث تاريخ البلد


واقعة الأمس المشينة تشي بأن السلطة، وخصوصاً أطرافها المقرّرة، قد تقدمت خطوة، وانتقلت من العجز والإقرار به إلى سلوك أقل ما يقال فيه إنه سلوك المتواطئ ومقدّم الخدمات المجانيّة لخائن وضيع يستحق السجن إن لم يكن الإعدام. إنه واقع مقزّز ومهين لا يمكن القبول به. وهو صورة مستعادة، أكثر وقاحة، عما خبره اللبنانيون جيداً خلال «المحاكمات» الصورية التي تمت سابقاً وتمثيلياتها.
... وهم، وبعد كل هذا وذاك من الارتكابات الفاضحة، يسمحون لأنفسهم أن يحدثوك عن استراتيجية دفاعية وعن سلاح المقاومة!
إن من لا يؤتمن على أبسط الواجبات التي يفرضها ألف باء الأخلاق والوطنية والكرامة لا يمكن ائتمانه على ما هو أقل بكثير من سلاح حرّر الأرض وصنع العزّة وكتب الكرامة ورسم رفعة الشأن.
إن دماء اللبنانيين واللبنانيات (ومعهم فلسطينيون وسوريون...) ودموعهم الحارّة التي ذُرفت وسالت تأبى إلا النيل من العملاء ومن حماتهم الذين كشفوا أنفسهم وباتوا معروفين. ومرور الزمن لا يجب أن يكون حاجزاً يحول دون الاقتصاص من حفنة تواصل تلويث تاريخ البلد وتشويه جغرافيته والفتك والاستهتار بإنسانه.
ليفهم العملاء المعروفون والمستترون أن زمن التساهل قد ولّى. وسيكون للناس (ويجب أن يكون لهم) قول فاصل يعيد تصويب الأمور. لأن البديل أن أمثال الفاخوري، وهم كثر، سيعودون وسيستأنفون مهنة الخيانة الأثيرة على قلوبهم. ولغرّ الجمهورية أن يخجل قليلاً، وأن يتوقف عن الافتتان بالعبارات الجوفاء، وليفهم، هو الآخر، أن هؤلاء الذين خانوا ليسوا بمبعدين، بل كانوا وسيبقون عملاء ومرتزقة... ستلاحقهم يد شرفاء هذا البلد وهم كثر وموجودون في كل البيئات.