«خي. ريحتموني». هكذا كان ردّ فعل كمال سنان الأول على كشف عودة العميل عامر الفاخوري إلى لبنان، في مقال نُشر في عدد «الأخبار» أمس، وتوقيفه إثره وإحالته على القضاء العسكري. في مكان عمله صباح أمس، حيث يعمل رئيساً لقلم فصيلة شبعا، علم المعاون أول في قوى الأمن الداخلي، من زميله بأمر المقال. «عندما سمعت باسمه تذكرته وانسمّ بدني». الفاخوري أو القائد العسكري السابق لمعتقل الخيام خلال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، كان واحداً من 12 عميلاً ادعى عليهم سنان عام 2002 بتهمة «خطفه بقوة السلاح من منزله في عين قنيا (قضاء حاصبيا) في 19 نيسان 1989، واحتجازه في معتقل الخيام 6 سنوات و20 يوماً، وممارسة بحقه التعذيب الجسدي والنفسي». منذ سنوات طويلة، لم يعد يعلم شيئاً عن مصير ابن بلدة جديدة مرجعيون وابن عمه سلام الفاخوري اللذين فرّا عام 2000 إلى فلسطين المحتلة، ومعهما معظم المدعى عليهم، من أنطوان لحد إلى نبيه أبو رافع وجان الحمصي وعماد نجيب بدوي وعلم الدين البدوي. جزئياً، تبددت أمس حسرة سنان التي بلغ عمرها 19 عاماً منذ تحرير الجنوب. «الحل الذي فُرض (يقصد التساهل مع العملاء) ووافقت عليه الأحزاب والدولة، كان أوسخ ما حصل مع أي احتلال في العالم. كل إنسان شريف كان يدافع عن بلده لم يأخذ حقه. من اعتقل وعذب وشرد وقتل يروح ويجيء أمام ضحاياه، وفي حال قيامنا بضربه، نصبح خارجين عن القانون، والدولة صارت تعتبره مثلي مثله. يا عيب الشوم».

بعد 30 عاماً من الواقعة، صار سنان «أبو غاندي». يقصّ الوالد على نجله «الذكريات التي تبعث على الفخر، لا على اليأس والمرارة». يخبره بأنه انتمى في عمر 18 عاماً إلى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية والحزب الشيوعي اللبناني «عندما ضبّ العدو زعران المنطقة. ونحن نعتبر أنفسنا أوادم. فخرجنا لمقاومته». كانت مهمته تأمين دخول المقاومين إلى حاصبيا المحتلة وإيواءهم وإطعامهم، فضلاً عن الرصد وتخبئة السلاح. تدرب خارج المنطقة المحتلة على تفجير سيارة مسؤول اللجنة الأمنية في القطاع الشرقي في جيش العملاء على طريق زغلة - حاصبيا. لكن العملية لم تنجح، ففجر عبوة بدورية للعملاء قبل أن يقع في كمين أثناء محاولته الخروج إلى المنطقة المحررة. يعرف سنان من وشى به، ويذكر جيداً ملامح فارس العطواني ورياض الحمرا اللذين دهما منزله لاعتقاله.
في عام 1995، تحرر سنان من الخيام، عائداً إلى بلدته. الاحتلال الذي كان لا يزال قائماً وظروفه العائلية القاهرة، منعته من الانتقام ممّن وشى به ومن اعتقله ومن عذبه. بعد التحرير بعامين، تقدم بشكوى ضد العملاء الـ12 أمام النيابة العامة الاستئنافية في النبطية لسببين: «الأول، إثبات أن الحق الشخصي لا يموت، ولو أسقطت الدولة الحق العام. والثاني، حثّ ضحايا العملاء على رفع شكاوى ضدهم وتسميتهم بأسمائهم». لم يطل مسار المحاكمة لأكثر من ثلاثة أشهر، عقدت خلالها جلستان. في الأولى، أوقف أحد المدعى عليهم «قبل أن تدخل الوساطات لأسقط حقي الشخصي. وافقت لكي لا يتحمل وحده الجرم وكرمى لأولاده». في الجلسة الثانية، أوقف العميل كامل أبو رافع «الذي أُفرج عنه في اليوم ذاته لعدم كفاية الدليل (توفي في وقت لاحق)».

العميل الذي أسقط سنان حقه الشخصي عنه «صار موظف دولة ونظّف سجله العدلي»

وفق سنان، حفظت الشكوى بسبب «تعذّر تبليغ المدعى عليهم».
استعراض سريع لملفات العملاء أمام المحكمة العسكرية، يكشف أن المدعى عليهم معروفو المصير. العميل الذي أسقط سنان حقه الشخصي عنه «صار موظف دولة ودبّر حاله بالحق العام ونظف سجله العدلي». علم الدين البدوي توفي عام 2007 في فلسطين المحتلة ودفن فيها. رياض الحمرا (شهد آخر لحظات في حياة قائد قوات العدو في الجنوب ايرز غيرشتاين قبل اغتياله على طريق كوكبا)، يتابع حياته عاديةً في حاصبيا. نبيه أبو رافع، المشرف على مجزرة سحمر (1984)، يقيم في فلسطين المحتلة، وقد وقّع العام الماضي كتاب (خيار خاطئ أم حلف مميت؟) الذي يسرد فيه وجهة نظره في نشوء جيش العملاء وتجربته فيه. عماد نجيب بدوي لا يزال فارّاً، وقد صدر بحقه عام 2001 حكم غيابي بالسجن المؤبد. الفارّان سلام فاخوري ونديم سلمان أبو رافع حُكم عليهما غيابياً بالأشغال الشاقة لـ15 عاماً. أما جان الحمصي، فتتداول معلومات تفيد بأنه انتقل من الأراضي المحتلة إلى كندا مع العميل عصام جروان، حيث وردت شكاوى إلى منظمات حقوق الإنسان التي نظمت حملة ضدهما.
قبل حكم القضاء، اقترح سنان حلولاً قاطعة لـ«عار العملاء». كنت متفائلاً جداً حينما اقترح على القاضي الذي نظر في دعواه وعلى الأحزاب والفعاليات الجنوبية بعد التحرير أن «تنتزع الهوية اللبنانية من العملاء وتُستبدَل بها بطاقة، لكي يعرف العالم كله بعمالتهم. أو ندخلهم في حقل ألغام زرعه العدو الإسرائيلي، فنرتاح حينها من الألغام والعملاء، بدل أن يقتل أطفالنا».