صاحب موقف الاعتكاف وقراره هو رئيس الحكومة الذي يرفض دعوة مجلس الوزراء إلى الالتئام ما لم يُعدّ له جدول الأعمال الذي يرضيه، ويُستثنى منه ما يمتنع عن إدراجه فيه. يطبّق الرئيس سعد الحريري بذلك صلاحيتين ناطتهما به المادة 64 من الدستور، هما دعوة مجلس الوزراء إلى الاجتماع ووضع جدول أعماله. لا شريك له في الدعوة العادية الدورية لكون المادة 53 تمنح رئيس الجمهورية صلاحية موازية مشروطة بظروف استثنائية وضرورية، فيدعو هو المجلس إلى الانعقاد بالاتفاق مع رئيس الحكومة. أما الصلاحية الثانية لرئيس الحكومة وفق المادة 64، فلرئيس الجمهورية شراكة جزئية فيها تقضي باطلاعه مسبقاً على جدول الأعمال. الواضح، منذ اتفاق الطائف أن جدول الأعمال يوضع بالتنسيق وتبادل البنود في مؤسستين مستقلتين، إحداهما المديرية العامة لرئاسة الجمهورية والأخرى الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

على نحو كهذا، تتداخل إلى حد بعيد صلاحيتا الدعوة وجدول الأعمال بين الرئاستين الأولى والثالثة. تبعاً لهذا التداخل، لا يسع رئيس الحكومة، المتمكن من صلاحيته، إنكار صلاحية فوضها الدستور إلى رئيس الجمهورية، لكن يقتضي اتفاقه معه على تطبيقها، مع أن تفسير عاملي الاستثناء والضرورة اللذين تشترطهما المادة 53 كي يدعو رئيس الجمهورية - لا رئيس الحكومة - مجلس الوزراء إلى الالتئام ليس واضحاً تماماً، ويشوبهما الغموض والالتباس، ما يتيح الاجتهاد في تفسير كل من الرئيسين نطاق تطبيق الصلاحية تلك. إذ إنّ حادثة البساتين، بكل التداعيات التي انطوت عليها، وقد أوشكت على إشعال نيران طائفية ومذهبية وأهدرت دماً درزياً - درزياً في الشارع، تستحق التئام مجلس الوزراء تبعاً للمادة 64 كما للمادة 53. هنا، ينشأ الالتباس بإزاء تفسير النطاق الممنوح لرئيس الحكومة للموافقة على الدعوة الاستثنائية والضرورية للانعقاد: مقيِّدة أم استنتسابية؟ طُرحت الإشكالية نفسها في ما مضى حيال وضع جدول أعمال مجلس الوزراء، واطلاع رئيس الجمهورية عليه: اطلاع مقيِّد أم لأخذ العلم فحسب؟
كل ما شاع البارحة بين رئاستي الجمهورية والحكومة كان يدور في هذه الحلقة المفرغة. لا يسع أحدهما استخدام صلاحيته بمفرده، ولا فرض تطبيقها على الآخر. يكفي أن يحضر رئيس الدولة جلسة ويترأسها كي يتحكم بمفتاح اقفالها. كذلك رئيس الحكومة إذ يغادرها.
إلى اليوم، منذ حادثة البساتين كما جملة المتاعب الناشبة علناً وسراً بين الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، حاذر رئيس الحكومة إظهار رئيس الجمهورية طرفاً فيها، مباشراً على الأقل، من غير أن يستبعد، في قرارة نفسه في أحسن الأحوال، الاعتقاد بأن الرئيس ميشال عون يدعم كل ما يدلي به صهره أو يقدم عليه. في الأسبوعين الأولين اللذين تليا الحادثة، وافق رئيس الجمهورية رئيس الحكومة على تجنيب مجلس الوزراء عقد جلسة ينقسم فيها على نفسه ويُشلّ، في مرحلة كان الخلاف بين عون ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في ذروته بسبب باسيل كما بسبب حليفه النائب طلال أرسلان.
طوال ذلك الوقت لم تُثر مرة صلاحية رئيس الجمهورية بدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، وفق مقتضيات المادة 53، لمعالجة المشكلة الأمنية الطارئة الضرورية، ذات المنحى المذهبي، إلى أن أضحى الاعتكاف سبباً إضافياً في مراكمة الصعوبات الداخلية وتسعير الخلاف على حادثة البساتين.
مع أن للحريري أن لا يدعو مجلس الوزراء إلى الاجتماع، سواء أصابت حجته أو أخطأت، ويتذرع متأخراً بممارسته صلاحياته الدستورية، إلا أنه وصل إلى قرار الاعتكاف متأخراً، غير مدرّب عليه كفاية، في توقيت سياسي وشعبي غير ملائم، ناهيك بأحداث متلاحقة تفرض عليه عدم الانكفاء. في كل مرة تصدر مواقف من محيطه تلوّح باحتمال استقالته أو اعتكافه في معرض تخويف خصومه، يسارع محيطون آخرون إلى إنكارها والتمسك ببقائه في السرايا.
واقع الأمر أن علاقة الحريري برئاسة الحكومة، في ظل حادثة البساتين، باتت أقرب إلى بضعة معطيات:
أولها، منذ 2 تموز موعد الجلسة التي أرجأ انعقادها، تبدو حكومته أقرب إلى حال تصريف أعمال: لا يجتمع مجلس الوزراء أبداً، بينما يكتفي رئيسه بعقد لقاءات مع رئيس الجمهورية ورئيس المجلس نبيه برّي والاجتماع مع وزراء يتولون تسيير أعمال حقائبهم كأنهم يحكمون.
ثانيها، لن يكون في أي وقت من الأوقات في صدد التنحي أو مغادرة السرايا لأسباب شتى، قد يكون أحدها ذا طابع شخصي، إلا أنه أضحى يرتبط مباشرة بالمنصب الذي يلوذ به ويشكل حصانته. بعدما اختبر درس احتجازه في الرياض في 4 تشرين الثاني 2017، وتأكد من أن منصبه كرئيس للوزراء منحه حصانة الخروج من ذلك المأزق، لا يزال في حاجة إلى الحصانة نفسها لمواجهة تداعيات المشكلة ذاتها التي سبّبت احتجازه، وهي الديون الضخمة التي ترتبت على مؤسساته هناك طوال عشر سنوات ما بين عامي 2005 و2015 وأوجبت إقفالها. بفعل دعاوى الدائنين السعوديين على مواطنهم ـ لكون الحريري يحمل الجنسية السعودية ـ لهم في ذمته 21 مليار ريال تبعاً لما أعلنته المحاكم السعودية، أضف 40 ملياراً مستحقة لوزارة المال، ما يرفع دينه في المملكة إلى 61 مليار ريال توازي 17 مليار دولار أميركي، لا يملك الرجل تسديدها. تكفي دعاوى الدائنين لملاحقة المواطن السعودي أمام محكمة بلده الثاني متى فقد الحصانة الدستورية التي يمنحه إياها المنصب الرسمي. بالتأكيد، لن يكون ثمة تكرار لما أدركه عام 2017، ولا المعاملة التي أخبر رئيسي الجمهورية والمجلس عن قساوتها، ولن يُؤذى، ولن تكون المملكة أيضاً في صدد العودة إلى مثل هذا الامتحان. بيد أنّ للقضاء السعودي شأناً آخر.

في ظل الاعتكاف أضحت الحكومة أقرب إلى تصريف أعمال


ثالثها، لأن تسليمه سلفاً باحتمال انفجار مجلس الوزراء متى انعقد لمناقشة البند الذي يرفضه ـ ويرفض كذلك فرضه عليه - وهو إحالة حادثة البساتين على المجلس العدلي، اختار الحريري أهون الشرور الذي من شأنه تعطيل مجلس الوزراء، وفي الوقت نفسه شلّ قدرته هو على ممارسته صلاحياته الدستورية المنبثقة من كونه رئيساً للمجلس والدائرة في فلكه. ليس أول رؤساء الحكومات يعتكف، إلا أن الذاكرة السياسية تروي شخصيتين فقط صاحبتي التجربتين الأكثر اكتمالاً: الرئيس رشيد كرامي ما بين 24 نيسان 1969 و25 تشرين الثاني بسبب النزاع العسكري مع المقاومة الفلسطينية، والرئيس رفيق الحريري ما بين 8 أيار 1994 و14 منه - وهو ليس اعتكافه الوحيد على مرّ وجوده في السرايا - احتجاجاً على انقلاب مجلس النواب عليه لدى مناقشة مشروع قانون تنظيم الإعلام المرئي والمسموع. انقطع عن ممارسة صلاحياته كلها، وفتح أبواب قريطم لتقاطر الوفود الشعبية إليه تتضامن معه. عدّت دمشق تصرّفه نزوعاً إلى تحريك مذهبي سنّي - شيعي، إلى أن تدخّل غازي كنعان وكلّف نائب رئيس المجلس آنذاك إيلي الفرزلي إبلاغه الرسالة الآتية: تراجَعْ عن الاعتكاف. فعل بعبارة مقتضبة للمحيطين به: سكّروا الأبواب.
خلافاً لما هو عليه الحريري الابن الآن، كان الرئيسان الراحلان في ذروة استقطاب الشارع السنّي وزعامته. يعود خلفهما إلى هذا التقليد في عزّ ضعفه في هذا الشارع.