في غمرة الانشغال في أيار الفائت بتظاهرات العسكريين المتقاعدين، على خلفية الموازنة، غادر قائد الجيش العماد جوزف عون الى الولايات المتحدة الأميركية لمدة اسبوع. ورغم ما تردد من انتقادات عن توقيت الزيارة، كان التبرير في المواعيد التي لا يمكن إلغاؤها مهما كانت الاسباب تستدعي بقاء قائد الجيش في بيروت. والواقع ان جدول المواعيد كان لافتاً، تحت عنوان المساعدات العسكرية الاميركية الى الجيش، سواء في البنتاغون أم الكونغرس.

وفيما ينشغل لبنان بمتابعة تطورات التوتر العسكري الاميركي الايراني ومن خلفهما السعودي، زار قائد الجيش الرياض وتسلم من نظيره السعودي، رئيس هيئة الأركان العامة فياض بن حامد الرويلي، وبتكليف من الملك سلمان، وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة.
بقدر ما استحوذت الزيارة الاولى على اهتمام الديبلوماسيين والسياسيين في بيروت، كانت الزيارة الثانية لافتة بتوقيتها وما يتردد من معلومات حولها، كونها تتخطى اطار الزيارة الرسمية، نظراً الى الموقع السياسي الحالي للرياض في المعادلة الاقليمية، والتوتر القائم حالياً، وما يمكن ان يترك ذلك من أثر على حيثية الجيش، اضافة الى ان العلاقة بينه وبين السعودية، كإطار عسكري، سبق ان تأثرت بفعل تجميد الهبة السعودية للجيش.
لا يمكن فصل الزيارتين، بحسب مصادر ديبلوماسية غربية معنية، إحداهما عن الأخرى. فواشنطن غير بعيدة عن زيارة عون الى الرياض، وعن الدفع في اتجاه استعادة الحرارة بين الطرفين. لكن البعد الآخر للزيارتين ليس عسكرياً بطبيعة الحال، بل رئاسي بامتياز، رغم ان كل ما أحيط بهما عسكري محض. اساساً لا يستبق قائد الجيش ولا يدخل في أي بحث سياسي خارج اطار المؤسسة العسكرية، ويرفض النقاش حوله، ويعرف تماماً حدود اللعبة الرئاسية. فهو آت الى مؤسسة خبرت انتقال قائدين لها، بعد الطائف، الى قصر بعبدا، وكاد الثالث يصل لولا مطبات اللحظات الاخيرة. لكنه يدرك سلفاً حجم العقبة التي تواجهه، في حال طرح هذا الاستحقاق في صورة جدية وعلنية، وهي وجود مرشح رئاسي اول لدى العهد، أي الوزير جبران باسيل.

(هيثم الموسوي)

ليس سراً أن باسيل كان يفضّل خيارا آخر لقيادة الجيش غير القائد الحالي، وليس سراً ايضاً أن رئيس الجمهورية ميشال عون كان ولا يزال يصرّ على جوزف عون قائداً للجيش، ويكن له كل ودّ واحترام. وقائد الجيش حافظ منذ توليه مهماته على احترام موقع الرئاسة ولم يرد طلباً لها. لكن هذا الامر يختلف تماماً في حال طرح اسم قائد الجيش مرشحاً جدياً للرئاسة، لأن رئيس الجمهورية سبق أن أعلن مرشحه، أي باسيل، بكل وضوح. والاخير، بحسب معلومات المصادر الديبلوماسية نفسها، وترددّها أوساط محلية، لا ينكر بعض جفاء لقائد الجيش، ولا يتصرف معه الا على قاعدة أنه قائد للجيش فحسب ولن يكون مرشحاً. حتى إنه لم يرحب بزيارة عون الى الولايات المتحدة، ولم يلاقه السفير اللبناني غبريال عيسى بالحفاوة نفسها التي استقبله بها في الزيارة السابقة، علماً بأن موقع باسيل في واشنطن (كما في الرياض)، بحسب المصادر، لا يزال متعثراً، ولم يتمكن من عقد لقاءات على المستوى المطلوب. واللقاءات التي يجريها مع الموفدين الاميركيين في بيروت، ليست سوى بحكم موقعه الوزاري، وليس كرئيس التيار الوطني ولا كمرشح رئاسي.
تتصرف واشنطن حالياً مع الجيش بأنه لا يزال، مع مصرف لبنان، الموقعين الاكثر ضمانة لنفوذها في لبنان، وصمام الأمان للوضعين الامني والنقدي، وتتصرف مع حاكم المركزي وقائد الجيش كمرشحين دائمين للرئاسة. لكن ما يميز الاول عن الثاني، هو ان الاول يتلاءم مع متطلباتها ولا يترك ثغرة الا ويسدها في اطار التعاون بينهما، وخصوصاً في ملف العقوبات على حزب الله. أما الثاني، فرغم أنه نسج علاقات جيدة معها، وهي رحّبت اختياره، وأثبت حياد الجيش في أكثر من استحقاق، الا أنها لا تزال تنظر بحذر الى علاقة الجيش بحزب الله، لا سيما ان القائد الحالي مرتبط سياسياً برئيس الجمهورية الذي ترى فيه حليفاً للحزب، علماً بأن موفديها سمعوا من الاثنين كلاماً واحداً حول رفض الدخول في أي مواجهة مع حزب الله، لأن ذلك يؤدي الى حرب اهلية، وكلاهما لا يريدان ذلك.
لا ينكر باسيل بعض جفاء لعون، ولا يتصرف معه الا كقائد الجيش فحسب ولن يكون مرشحاً


منذ فترة غير قصيرة انضم قائد الجيش رسمياً الى قائمة المرشحين للرئاسة، وهذا الامر ليس جديداً على موقع قيادة الجيش. الجديد فيه سيكون في شكل الصراع الذي سيتخذه في مقابل مرشح لا تهدأ حركته ولن يقبل حكماً بمرشح منافس «من قلب البيت»، فيما رأس المؤسسة العسكرية محكوم بألا يتحرك الا ضمن ما تمليه عليه وظيفته. لكنه، كما حاكم مصرف لبنان الذي تعرّض أخيراً، ايضاً، لهجوم من باسيل، سيستفيد من الظروف التي أرساها العهد الحالي. فشعار الرئيس القوي خلق حتى الآن ما يكفي من المشكلات ومن النقزة السياسية لدى الحلفاء والخصوم على السواء. ورغم ان هذا الشعار بات يشكل مرجعية اساسية للمرشحين المعلنين رسمياً ويتحركون على اساسه (رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية وباسيل)، كي يأتي رئيس هو الاقوى في بيئته، فان كثرة الارباكات التي خلقها العهد وحزبه ستقف عائقاً امام الإتيان برئيس قوي آخر، يفرض إيقاعه وحده على الجميع. وهنا يكمن تحدي المرشحين «الاقوياء»، لان اللائحة هذه المرة سيدخلها مرشحون من خارج النادي، وبترحيب من القوى السياسية التي أنهكها الرئيس القوي. وبعضهم بدأ يطرح اسمه بجدية ويسوّق لنفسه في لبنان والخارج.