عدد من أبناء الجاليات العربية في أوستراليا، لم يكونوا على دراية بحقيقة «مشروع روزانا» الطبي، وطبيعته التطبيعية مع العدّو الإسرائيلي. يوجد بينهم من كان فعلاً يعتقد أنّ الهدف منه «نبيل»، يتعلّق بتوفير التمويل لمساعدة المرضى الفلسطينيين، وتأمين نقلهم إلى مركز هداسا الطبي في القدس المحتلة (أسّسته المنظمة الصهيونية النسائية الأميركية). في حين أن لا هدف للمشروع سوى التطبيع مع العدّو، وحرف الأنظار عن كونه المسؤول عن المجازر والقتل المتعمّد للفلسطينيين (ولا سيّما الأطفال) وتشريد أهل الأرض وإحلال «شعوب» أخرى في مكانهم. غاية المشروع المعلنة في استغلال القطاع الطبي «لتحسين علاقة «إسرائيل» بجيرانها العرب». وقد نجح القيّمون على المشروع (مؤسس «روزانا» أوسترالي صهيوني) بتسويق دعاية مزيفة عنه تُركز على طابعه «الإنساني»، مستفيدين من تعاون شخصيات عربية معهم، ولا سيما بعثة السلطة الفلسطينية لدى أوستراليا. هذه الأخيرة، معطوفة على رجال أعمال لبنانيين، وفّرت الغطاء أخيراً، وأسهمت في الترويج لعشاء «يد بيد» الذي يُنظمه «روزانا» غداً الأربعاء في سيدني، من أجل جمع التبرعات للمشروع الصهيوني. حاول عدد من أبناء الجاليات العربية، تحديداً الفلسطينية واللبنانية، الاعتراض على الحدث، وحثّ الداعمين العرب على مقاطعة العشاء، انطلاقاً من أنّه فعل تطبيع للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وبعد أن نشرت «الأخبار» يوم السبت الماضي تقريراً عن الموضوع، بدأ الحراك الاعتراضي يتبلور أكثر، فقرّرت مراجع دينية عدّة في أوستراليا عدم المشاركة في العشاء، بالتزامن مع «ارتفاع عدد التواقيع على العريضة التي أطلقها مؤسس «أوستراليون من أجل فلسطين» ناصر ماشني»، للاعتراض على المشروع. وعُقد أمس اجتماع لاتحاد عمال فلسطين في أوستراليا، مُستنكرين تعاون السفير الفلسطيني عزت عبد الهادي مع «روزانا».

لا يُمكن القول إنّ الحملة الاعتراضية نجحت تماماً في تكريس المقاطعة للعشاء، فالعديد من رجال الأعمال العرب لا يزالون مصرين على التبرّع للمشروع الصهيوني، لكن «الصوت المعارض بدأ يُسمَع أكثر داخل الجاليات. مثلاً، العديد من أبناء الجالية اللبنانية خافوا من أن يكونوا موضع ملاحقة قانونية في لبنان، في حال دعمهم مشروعاً تطبيعياً، لذلك عدلوا عن المشاركة»، بحسب متابعين للقضية، ولا سيما مع «بحث إمكانية الادعاء على الطبيب اللبناني جمال ريفي، لأنّه زار الأراضي المحتلة».
تظهير حقيقة «روزانا» أحدث بلبلة في صفوف المشروع، حيث انتقلت الحملة التسويقية إلى محاولة «إنقاذ» العشاء، ونفي أن يكون لـ«روزانا» أي دور سياسي، ولا سيّما أنّ القيّمين على المشروع، يحرصون على تظهير الهوية الدينية، واللعب على نغمة التنوع الديني داخله، والتعاون بين المسلمين والمسيحيين واليهود. اللافت أنّ أحد «قادة» الحملة الترويجية، ليس عضواً رسمياً في «روزانا»، بل النائب الأوسترالي من أصول لبنانية جهاد ديب.

يتولّى النائب من أصول لبنانية جهاد ديب تأمين الحجوزات لعشاء «روزانا»

هو أحد رعاة العشاء، الذي يتولّى مخاطبة المدعوين إليه عبر البريد الإلكتروني، برسالة تدعوهم للمشاركة «وجمع التبرعات لقضية جديرة بالاهتمام». يُخبر ديب في رسالته الإلكترونية، التي أرسلها أمس، أنّ «المشروع يقوم على توفير الرعاية الطبية للفلسطينيين، وهو ليس سياسياً»، متمنياً من المُرسل إليهم «قراءة الملف المرفق عن تأسيس مشروع روزانا… القطاع الصحي يُعتبر واحداً من المجالات القليلة التي يلتقي حولها الفلسطينيون والإسرائيليون، باحترام متبادل». أكثر من مرّة، يُكرر ديب أنّ «طبيعة المشروع غير سياسية»، لذلك يدعو إلى «عدم التردد في التبرع». فجأة تحول النائب إلى بائع تذاكر للعشاء، كما لو أنّه أحد المستفيدين منه، فيُشير إلى أنّه أرفق داخل رسالته بطاقة الحجز للعشاء «بتكلفة 150 دولاراً للشخص… لا تترددوا في الاتصال بي إذا كان لديكم أي أسئلة عن العشاء». على خطّ موازٍ، يتولّى الطبيب اللبناني جمال ريفي (عضو مجلس إدارة في «روزانا» - أوستراليا، وهو شقيق الوزير السابق أشرف ريفي)، الاتصال مباشرةً بالمدعوين ليُطمئنهم إلى أنّ «الحملة ضدّ المشروع ليست إلا زوبعة في فنجان»، ويؤكد ضرورة المشاركة في العشاء. ريفي ليس وحيداً، فبحسب المعلومات «رئيس الجمعية الإسلامية في أوستراليا، رجل الأعمال اللبناني سمير دندن، يعمل خلف الستار لتأمين الدعم المعنوي لمشروع «روزانا»، وإقناع جمعيات خيرية من شمال لبنان ناشطة في أوستراليا، بالتبرع للمشروع». يُذكر أنّ حكومة مقاطعة نيو ساوث ويلز الأوسترالية سحبت في الـ2017، تمويلاً من الجمعية الإسلامية، بعد أن استثمرت الأخيرة مبلغ مليون دولار في شركة يديرها دندن.
العمل على تكريس التطبيع مع العدو، من أوستراليا، لا يقتصر على القطاع الطبي. محاولات اختراق الجاليات العربية، تشمل صعداً مختلفة «وتحديداً الفنّ والشعر». الحديث تحديداً عن «نقل فنانين عراقيين من الأردن للعزف في تل أبيب». القصة تعود إلى سنوات طويلة، وبدأت مع المغني إسماعيل فاضل، «الذي حظي بدعم من زوجة أحد الدبلوماسيين اللبنانيين السابقين في سيدني، وكانت تُروج له وتريد مرافقته إلى لبنان». ودائماً ما تحاول مجموعات الضغط الصهيونية، وأدواتها عرب في الخارج، «التغلغل بين الناس من بوابة تناغم الأديان». هذه الخطة، ليست منفصلة «عن مشروع صفقة القرن»، يقول ناشطون عرب في أوستراليا.