تعاقب التحديث على بناء القوة ونظرية التشغيل للجيش الإسرائيلي، يؤكد أن التغييرات التي تطرأ تباعاً على البيئة الإقليمية لإسرائيل وعلى مصادر التهديد فيها، تسبق توقعات تل أبيب وخططها واستعداداتها، رغم كل المرونة التي تعمل على تظهيرها مواكبة لهذه التغييرات.

الساحة اللبنانية، وما تختزنه من تهديد عسكري مباشر (بمعنى القدرة الدفاعية المشبعة)، هي جزء متقدم من التهديد الكلي لإسرائيل ومتغيراته المتنامية. وفي الموازاة هي عامل رئيسي في إحباط خطط المواجهة التي تعدها إسرائيل ضد أعدائها. فهذا التهديد يتجاوز ــــ بسبب مكوّناته ونوعه ــــ مهمة الدفاع إلى ما بعدها، وهو إذ يعزز منعة لبنان، إلا أن تأثيراته تفيض عن ذلك.
أمس، وفي الأسابيع القليلة الماضية، تزاحمت التصريحات والتقارير ومقابلات المسؤولين العسكريين للتأكيد مجدداً على الجاهزية العسكرية الإسرائيلية في مواجهة التهديدات، من لبنان تحديداً، رغم كل متغيرات القوة لدى حزب الله وما يكتنفها من «لايقين»، مرتبط بنوعية التغيير و«دقته» ومستوى تعاظمه.
واللافت هو الحديث عن جاهزية غير مسبوقة، وعن خطة جديدة لإعادة الجاهزية لسلاح البر ولاحتلال أراضي العدو، كما نقل عن خطة لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي افيف كوخافي باعتبارها خطة عمل للسنوات المقبلة. وهي الخطة نفسها التي أعلنت إسرائيل عام 2007 أنها طبقتها وناورت عليها وباتت جاهزة لتطبيقها في الحرب، إبان ولاية غابي اشكنازي، تحت عنوان مقاتلة اف ١٦ تقاتل إلى جانب بندقية أم ١٦.
وفي التصريحات المستجدّة تأكيد أيضاً على أن الاستعداد بات منجزاً ومغايراً لما مضى، كما ورد على لسان قائد المنطقة الشمالية المنتهية ولايته، يوآل سترايك، في مقابلات و«دردشات» مع الإعلام العبري، مشدداً على الانتصار في الحرب مع حزب الله، ضمن معنى خاص للانتصار.
ويلفت في ما ورد تأكيد على القدرة الفعلية التي باتت لا تقاس بما كانت عليه سابقاً، بعد إيجاد حلول لمشاكل بنيوية وتشغيلية في الجيش، سبق أن قيل إن حلولاً لها قد تبلورت. ويثير ذلك تساؤلات حول صحة هذه التأكيدات، سواء ما صدر العام الماضي أو قبل عشر سنوات.
بالعودة إلى الاستعداد الإسرائيلي وتحديث نظرية بناء وتفعيل القوة العسكرية، يمكن القول إن تحديثاً طرأ فعلاً خلال ولاية رئيس الأركان السابق غادي ايزنكوت، ولكن يتعذر القول إن تطوير التحديث، بمعنى التعديل في المضمون، يحصل الآن في زمن كوخافي.
في ولاية ايزنكوت، سقط رهان إسرائيل القائم على إسقاط الدولة السورية كي تحقق مصالحها في كسر حزب الله والتخلص من تهديده وقطع أوصال محور الأعداء دفعة واحدة. هذا الخيار الذي وصل إلى الذروة في زمن بني غانتس تراجع إلى أن سقط في زمن ايزنكوت (وزمن كوخافي بوصفه نائباً له)، ما دفع إلى إضفاء تحديثات على نظرية بناء وتشغيل قوة الجيش الإسرائيلي، لمواجهة التهديد إن تطور إلى مواجهة، على قاعدة وقائية احتياطية.
وللتعذر، واللايقين كذلك، لم تؤد متغيرات ٢٠١٥ وما أعقبها ــــ رغم مستويات تهديدها المرتفعة ــــ إلى جاهزية الخيارات العسكرية والحروب لدى إسرائيل، بل إلى الاستناد إلى استراتيجية مبنية على فعل الآخرين وعلى التهويل، مع محاولات جراحية محدودة.
وإن حصل التغيير لدى كوخافي، فسيكون تغييراً ليواكب أكثر الاستراتيجية التي اتبعها سلفه، كون تعذر الحرب واللايقين حولها، ثابتاً لديه أيضاً. وكوخافي، على ذلك، سيكون نسخة عما كان عليه ايزنكوت بعد تراجع الرهان على إسقاط الدولة السورية وإسقاط تهديد حزب الله وقطع نفوذ إيران ودفعها إلى التموضع الدفاعي بعيداً عن إسرائيل.
استراتيجية كوخافي المستنسخة عن استراتيجية سلفه، تستند إلى عاملين اثنين: استمرار الرهان المتجدد على الخيار الأميركي وخاصة مع اندفاعة إدارة دونالد ترامب ضد إيران ومحور المقاومة؛ في موازاة الحديث عن نقلة نوعية وجذرية في الاستعداد والجاهزية الإسرائيلية التي سيقال إنها لم تعد تخشى الحروب، وربما أيضاً باتت معنية بها، على خلاف ما كانت عليه في السابق.
والعاملان يساندان بعضهما بعضاً، وخاصة أن الضغط الأميركي على أشكاله العقابية والحصار، يحتاج إلى رافعة مؤازرة وإسناد عبر التلويح لوعي الأعداء بأن خيار الحرب بات معقولاً.
مع ذلك، في ولاية كوخافي، تحديات لم تكن موجودة في زمن سلفه أو لم تكن بهذا الوضوح، ويكفي ذكر اثنين منها يرتبطان مباشرة أو غير مباشرة بالساحة اللبنانية:
لا تبارح طاولة التقدير في تل أبيب فرضية أن تلجأ إيران إلى خرق الاتفاق النووي، رداً على الاندفاعة الأميركية العدائية غير المسبوقة ضدها، وهو تحدّ يتطلب من الجيش الإسرائيلي استعدادات خاصة لا ترتبط فقط برأس المحور في إيران، بل بساحاته كلها من دون استثناء.
في الموازاة، يأتي صد أو تقليص تعاظم قدرة حزب الله النوعية في لبنان ودقة ترسانته العسكرية، على رأس أولويات الأمن الإسرائيلي، لذاته أولاً ولارتباطه بمحور المقاومة وساحاته ثانياً، وإن كانت الخيارات العسكرية محكومة بالفرملة إزاءه، كما هو واضح إلى الآن، جراء صلابة قواعد الاشتباك بين الجانبين.
ينتظر أن يشبع الإعلام العبري، وتبعاً له العربي، بتصريحات ومواقف وتقارير، عبرية وغير عبرية ومن بينها لبنانية، تؤكد إلى حد الإفراط على الجاهزية العسكرية لخوض الحرب، ومحاولة إفهام الجانب الثاني، وعبر تقارير «لبنانية» أيضاً، جدية وواقعية الحرب المقبلة التي لم يعد بالإمكان استبعادها، وهي ضرورة لازمة لتعزيز الخيار الأميركي في الضغط على لبنان، في سياق دعم الاندفاعة غير المسبوقة للأميركيين ضد حزب الله.



استراتيجية كوخافي: حرب «دولوكس»
ذكرت صحيفة «هآرتس» أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي افيف كوخافي، يبلور خطة لتطوير قدرات الجيش واستعداده للمواجهات الواسعة والحروب.
خلفية الخطة وسببها هو التقدير بانعدام الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط للعقد المقبل، مع التشديد على تعاظم التهديد على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، من حزب الله، وبدرجة أقل حركة حماس.
وخطة كوخافي تتعلق بتحسين مستوى «قدرة القتل» لدى الجيش الإسرائيلي، مع جاهزية لضرب العدو بشكل قاس وتدميره وتقليص القصف الصاروخي على إسرائيل، إضافة إلى السيطرة والمناورة البرية، مع خسائر قليلة في صفوف الجيش الإسرائيلي.